موقع السيد حسن النمر الموسوي

حديث الجمعة

جديد الموقع

نص الخطبة التي ألقاها سماحة العلّامة الحجة السيد حسن النمر الموسوي بعنوان «دوائر الصلاح مستوياته» في جامع الحمزة بن عبدالمطلب، وذلك يوم الجمعة ٩ صفر ١٤٤٠ هجري:

 

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، محمد بن عبدالله وعلى آله الطيبين الطاهرين

رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي.

عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله.

في موسم الزيارة هذا، ثمة مسائل كثيرة ينبغي أن يتذاكر فيها المؤمنون، خصوصا مع زيادة نبرة البعض حول توهين شعائر زيارة الإمام الحسين عليه السلام.

وهذا لا يعني أن جميع المؤمنين قد يتاح لهم ويوفّقوا إلى أن يكونوا من الزوار المباشرين، وذلك أن زيارة الحسين عليه أفضل الصلاة والسلام أو زيارة النبي وآله صلوات الله وسلامه عليهم، هو شرف ينبغي أن يسعى المؤمن إلى أن يناله من قُرب، لكنه لو حُرم من ذلك فإنه ينبغي ألاّ يفوّت شرف زيارتهم، حتى ولوكان بعيداً.

ما أريد أن أتناوله في هذا الحديث هو «دوائر الصلاح ومستوياته» لارتباط هذا الموضوع وهذا العنوان بمسألة الزيارة وفي كل ما نعرفه ونعرّفه باعتباره شعيرة من الشعائر الدينية أو شعاراً من الشعارات الدينية.

 ما هو الصلاح؟

 الصلاح في اللغة العربية وله ما يقابله في اللغات الأخرى، هو ضد الفساد، فإذا وُصف شيء ما، من الجمادات أو الحيوانات أو النباتات أنه صالح يعني انه ليس بفاسد، وحتى نعرف شيء أنه صالح لابد أن نعرف فلسفته الوجودية، لماذا خلق هذا الشيء ولماذا أُوُجد هذا الشيء، فإذا كان هذا الشيء الموجود يتناغم مع ما خلق الله عز وجل lن أجله فهو صالح، وإن لم يتناغم، سواء كان هناك بطء في الحركة أو لم يكن هناك حركة أصلا، يعني هذا الشيء الذي وُجد كان ينبغي أن ينمو، فيكون شجرة مثمرة، لكنه لم يصل إلى  هذه الدرجة، فأُعيق حركة هذه الشجرة فلم تعد منتجة، يقال أن هذه الشجرة ليست مثمرة، فهي فاسدة بهذه النسبة، لأن هذه الشجرة ليس الغرض منها أن يتأمل الناس في جمالها وجمال تكوينها، وإنما من أجل أن يتناولوا ثمرها فما لم تثمر تعد فاسدة، بمقدار معين، وإن كانت جيدة من الناحية الجمالية لكن بمجموع ما خلق الله عز وجل من أجله لا تعد كذلك.

فإذن، هي فاسدة بهذا المقدار، وكذلك الثمرة التي تُؤكل، كالتفاحة، إنما خلقها الله عز وجل من أجل أن تُؤكل فلو ظهر عليها أنها فاسدة، لكن لمّا تناولناها وجدنا فيها فساداً، نرميها جانباً ونضعها جانباً، ونقول هي ليست صالحة، أي أنها فاسدة.

 هذا القانون يمشي ويُطبّق حتى على الإنسان، فإذا عرفنا أن الله عز وجل أوجد هذا الانسان وخلقه من أجل أي شيء؟ إذا عرفنا ذلك بمنطق القران،  وهوما جاء في قول الله عز وجل ﴿وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ﴾ فإن كان الانسان في طريق تعبّده وعبادته وعبوديته لله عز وجل، فهو صالح، على اختلاف مستويات الصلاح ودوائره، لان هناك صلاحا تاماً مطلقاً، حتى أن بعض الانبياء حينما سأل الله عز وجل قال ﴿وَأَلۡحِقۡنِي بِٱلصَّٰلِحِينَ﴾ لم يطلب من الله أن يكون من الصالحين، وإن كان هو صالحا، لكن ثمة مرتبة عُليا من الصلاح لا يرجوها هذا النبي لنفسه، وإنما سأل الله عز وجل أن يلحقه بالصالحين، يعني يجعله من أتباع أولئك الصالحين ﴿وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِۦ لَإِبۡرَٰهِيمَ﴾ المشايع يعني المتابع، ثمة إمام وثمة مأموم، ثمة متبوع وثمة تابع، فالصلاح دوائر ومستويات ومراتب.

 فإذن، الصلاح ضد الفساد، الصلاح يعني أن يسير الانسان في الصراط المستقيم الذي خلق الله عز وجل الناس من أجل ماذا؟ من أجل ما نسأل الله عز وجل من خلال تلاوتنا سورة الفاتحة التي اُمرنا أن نقرأها في صلواتنا، حتى جاء في الخبر الشريف أنه لا صلاة الا بفاتحة الكتاب، حتى نستحضر هذا القانون ونجعله راسخاً في أذهاننا ونفوسنا، ماذا نقول؟ ﴿ٱهۡدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ﴾.

 الصراط المستقيم يعني هو الصراط والشارع والطريق الذي لا مناص لك إلا أن تسلكه، ولو سلكت غيره لن تكون على الصراط المستقيم، ملامح هذا الصراط، معالم هذا الصراط، هذا بحث فيه تفصيل.

 هناك أمر آخر يجب أن نلتفت إليه، من أجل أن يكون الإنسان على الصراط المستقيم، أن هناك أسبابا ومقتضيات يجب أن نعمل على التوفّر عليها وتوفيرها، وهناك موانع وسدود يجب أن نعرفها فنتجنب هذه الموانع، حتى لا نُبتلى بها، فإنه لا يكفي للإنسان أن تكون نيته صالحة، نية ان تكون صالحاً لا تكفي، كل موجود يتمنى أن يكون صالحا، لكن ما لم يعزم على أن يكون صالحا ويترجم هذه النية والعزيمة بعمل صالح يحقق به إيمانه، فسيكون من أهل الخسران، فإن الله عز وجل يقول ﴿قَدۡ أَفۡلَحَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ﴾ ثم يأتي بسلسلة من الصفات يقول عز وجل ﴿وَٱلۡعَصۡرِ١ إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَفِي خُسۡرٍ٢ إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ﴾ إلى  اخر الآيات.

فإذن، هناك إيمان، والإيمان يشمل معرفة الصواب، معرفه الصراط المستقيم، والعزم على أن تسلكه، لكن، لا بد من العمل الصالح {إليه} يقول عز وجل {إليه} أي إلى الله ﴿إِلَيۡهِ يَصۡعَدُ ٱلۡكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلۡعَمَلُ ٱلصَّٰلِحُ يَرۡفَعُهُ﴾ الكلم الطيب إيمانك، قولك لا إله إلا الله بحق، هذا هو المطلوب منك، لكن كيف يصل إلى الله؟ بالعمل الصالح.

 فلو أن إنساناً آمن بالله عز وجل حق الإيمان، لكن لم يعمل من الصالحات شيء دون أن يكون هناك ما يمنعه من العمل الصالح، ليش [لماذا] نقيّد هذا القيد؟

بعض الناس يؤمن في أواخر عمره، ولا يتسع عمرُه لأي عمل صالح غير الإيمان بالله، كما حصل لسحرة فرعون، آمنوا واستشهدوا، مثل هذا الانسان الذي آمن واستشهد، لأن الله عز وجل يعرف عنه صدق الإيمان والعزم على العمل الصالح، سُجّل في الصالحين، أما أولئك الذين يقفون على النقيض ﴿وَلَوۡ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنۡهُ﴾ مثل هذا الإنسان لا يكفي أن يكون مؤمنا يقول لا إله إلّا الله كما بعضهم يقول -كما عندنا في الرواية- من كان آخر قوله لا إله إلّا الله كان من أهل الجنة، هذا لا يعني أن يعيش طاغية طوال عمره، يسفك الدماء طوال عمره، فلما رأى حبل المشنقة على رقبته، قال لا إله إلا الله..!

 هذا قالها كاذبا، كما قال فرعون أنه آمن بالذي آمنت به بنو إسرائيل، لأن هذا لو عاد، لصار مثل حاله الأول، وعِلم الناس عند الله عز وجل.

 هذه الاسباب والمقتضيات، تتوزع على مسارين اثنين:

 المسار الأول - المسار العلمي.

 والثاني - المسار العملي.

 لأن الايمان يتكون من هذين الركنين، تعلم، أي تعرف الحق وتتبناه منهجاً، فتعرف أن هذا حق وأن الآخر باطل، أن هذا صواب وأن ذاك مثلا خطأ، وأن هذا خير وأن هذا شر، وأن هذا حسن وأن هذا قبيح.

ثم يأتي مرحلة العمل، فتترجم هذه المقولات التي آمنت بها.

فإذن، هذان المساران يجب أن يكونا متلازمين، كما أشارت إليه الآيات التي ذكرناهما، فيما يتعلق بفلاح المؤمنين وخسران الإنسان.

لاحظوا النص القرآني ماذا يقول، يقول سبحانه وتعالى ﴿ٱلشَّيۡطَٰنُ يَعِدُكُمُ ٱلۡفَقۡرَ﴾ كيف يستولي الشيطان على الإنسان فيحول بينه وبين أن يكون من الصالحين؟ بماذا يتلاعب؟

 يتلاعب بالخريطة الذهنية في نفسه، بمعلوماته، يوشوش عليه، يحول بينه وبين المعلومة الصحيحه، ويدس أو يستبدلها بمعلومة خاطئة:

لو أنك تصدقت لصرت من الفقراء! هكذا يقول ﴿ٱلشَّيۡطَٰنُ يَعِدُكُمُ ٱلۡفَقۡرَ وَيَأۡمُرُكُم بِٱلۡفَحۡشَآءِۖ﴾ فطرة الانسان السوي لا تقبل الفحشاء، وإنما تقبل الأمور الحسنة، ولذلك نجد أن الإنسان إذا أراد أن يرتكب شيئا من الفحشاء في أوائل أمره، يرتكبها سرا، ثم إذا هيمن عليه الشيطان هيمنة كاملة، يصبح في درجة المجاهرين بالفحشاء، لأن الخريطة تبدلت تماماً، وكينونته استبدلت تماما، فصار يرى المنكر معروفا والمعروف منكراً.

فالقران يقول ﴿ٱلشَّيۡطَٰنُ يَعِدُكُمُ ٱلۡفَقۡرَ وَيَأۡمُرُكُم بِٱلۡفَحۡشَآءِۖ وَٱللَّهُ يَعِدُكُم مَّغۡفِرَةٗ مِّنۡهُ وَفَضۡلٗاۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ﴾.

فإذن، هاذان هما المنهجان، منهج المحقّين ومنهج المبطلين، المحقّون من هم؟ الذين خلقهم الله عز وجل على الفطرة وعلى صبغته﴿صِبۡغَةَ ٱللَّهِ وَمَنۡ أَحۡسَنُ مِنَ ٱللَّهِ صِبۡغَةٗۖ﴾.

الطفل الصغير لا يميل إلى الكذب، لا يميل إلى العبث وايذاء الآخرين، متى يتعلم هذا؟ إذا عاش في بيئه تؤذيه، تزعجه، تعتدي عليه، حتى لو كانوا أطفالا صغارا يعتدون عليه، فيأخذون أغراضه، فيبحث عن وسائل الحماية، فقد يجد في الكذب سبيلاً من سبل الحماية، الاحتيال سبيل من سبل الحماية.

 هذا بالنسبة للصغار، المسألة نفسها تجري في الكبار، لكن مع ما يناسب أعمارهم ومداركهم، كلٌ بطريقته.

ثم يقول عز وجل﴿يُؤۡتِي ٱلۡحِكۡمَةَ مَن يَشَآءُۚ وَمَن يُؤۡتَ ٱلۡحِكۡمَةَ فَقَدۡ أُوتِيَ خَيۡرٗا كَثِيرٗاۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ﴾ اللب هو العقل، يعني الذين يحسنون الاستفادة من حكمة الله عز وجل المغروسة في النفوس والنازلة منه سبحانه وتعالى، فقط الذين يحتفظون بجوهر العقل الذي غرسه الله عز وجل في نفوسهم ولم يتلوث، ولذلك فإن الله عز وجل إذا سلب من الإنسان العقل، فصار من المجانين، لا يُخاطب بالتكليف، لا يعاقب على جريمة يرتكبها، لأنه مجنون مسلوب العقل.

 نعم، يمكن للمجتمع أن يأخذ إجراءات وقائية في حق هذا المجنون، حتى لا يلحق ضرره بالناس، فإذا كان مؤذياً عزلوه، لكن هذا لا يعني أنه لو ألحق الاذى بأحد وهو غير عاقل، يُعاقب على هذا الفعل، لا يعاقب على هذا الفعل، لأنه ليس من أولي الألباب، الله سبحانه وتعالى يعوّضه عما سلبه، بشكل من اشكال التعويض، لكن الذين حافظوا على الفطرة الحسنة، ولم يسمحوا للشيطان أن يستولي عليهم بالتشويش والوسوسة والأزّ في نفوسهم، إذا احتفظوا بهذا المقدار، يتطور هذا العقل، ينمو شيئا فشيئا، حتى يصبح اذا سمع  الحكمة من نبي أنصت إليه، وإذا سمع منه قولاً صالحاً تلقفه فيعمل به.

 لا فرق في ذلك بين أن يكون قريبا منه من الناحية الجغرافية أو بعيدا، قريباً منه من حيث النسب أو بعيداً، قريبا منه من حيث التفاعل الحي أو بعيداً عنه، قد يكون أصلح ممّن كان يجاور النبي.

ولهذا نجد في سيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يذكر (أويس القرني) بخير مع أن أويساً من أهل اليمن، لم يعيش في المدينة المنورة حِيل بينه وبين الهجرة إلى رسول الله، بسبب برّه لأمه، كان شديد البر بأمه، لم يتيسر له الهجرة إلى  النبي، لكنه كان رجلا صالحا، بلغته دعوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أسلم، آمن، حتى أن بعض رموز الصحابة كان يسأل وَفدَ اليمن، اذا جاء للحج، أفيكم أويس؟ إذا قيل له لا، يطلب منهم أن يوصلوا إليه سلامه وطله الشفاعة من أويس.

 عجباً، كيف؟ أنت صحابي، كنت صاحبت رسولَ الله، تحتاج إلى شفاعة مثل أويس؟!

 نعم، لأنه يعلم أن أويسا بلغ مرتبة يستحق معها أن تُطلب منه الشفاعة، من شخص كان ينبغي أن يطلب أويسٌ منه الشفاعة، حتى ختم الله عز وجل لأويس ليكون شهيداً مع أمير المؤمنين عليه أفضل الصلاة والسلام، في حرب صفين، حيث حاربه البغاة.

هل هذا الصلاح، أن يكون الانسان صالحاً وليس فاسداً، بمرتبة واحدة؟ الجواب:

نصُ  القرآن ونصوصٌه، تؤكد على أنه ليس في مرتبة واحدة، كما أشرنا.

أسوق على ذلك بعض النماذج، بإيجاز شديد:

يقول عز وجل في سورة الحجرات ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرٖ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبٗا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْۚ إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡ﴾.

 أكرمكم، يعني أن هناك تفاضلا في عالم التقوى، هناك متقون وهناك من هم أعلى في التقوى، وإذا كان الانسان تقياً كان كريماً، أي له مكانة عند الله عز وجل، وكلما ارتقى الإنسان في عالم التقوى ارتقت مكانته عند الله عز.

ثم يضيف ﴿قَالَتِ ٱلۡأَعۡرَابُ ءَامَنَّاۖ قُل لَّمۡ تُؤۡمِنُواْ وَلَٰكِن قُولُوٓاْ أَسۡلَمۡنَا ﴾.

 الإسلام مرتبة من مراتب الصلاح، والإيمان مرتبه من مراتب الصلاح، لكن مرتبة الصلاح في المؤمن أعلى منها في المسلم، الأعراب صحيح أنهم أسلموا وكانوا يفدون على رسول الله ويقولون نحن مؤمنون، النبي ينبّههم، لستم من المؤمنين، أنتم مسلمون، والاسلام درجه أوسع، المؤمنون هم خواص المسلمين، الطبقة الأفضل، طليعة المؤمنين، يعني الذين يكون إلتزامهم بمعارف الدين وأحكامه وأوعى لحِكَمه وأكثر التزاماً بأحكامه.

﴿قَالَتِ ٱلۡأَعۡرَابُ ءَامَنَّاۖ قُل لَّمۡ تُؤۡمِنُواْ وَلَٰكِن قُولُوٓاْ أَسۡلَمۡنَا وَلَمَّا يَدۡخُلِ ٱلۡإِيمَٰنُ فِي قُلُوبِكُمۡۖ وَإِن تُطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ لَا يَلِتۡكُم مِّنۡ أَعۡمَٰلِكُمۡ شَيۡ‍ًٔاۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيم﴾

ثم يضيف ﴿وَإِن تُطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ لَا يَلِتۡكُم مِّنۡ أَعۡمَٰلِكُمۡ شَيۡ‍ًٔاۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيم﴾.

يعني أن طاعة الله وطاعة الرسول هي مفتاح الدخول والولوج إلى عالم الايمان.

 ثم يضيف أيضاً﴿إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ثُمَّ لَمۡ يَرۡتَابُواْ وَجَٰهَدُواْ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلصَّٰدِقُونَ﴾.

 فإذن، الأعراب الذين قالوا إنهم مؤمنون ونفى القران، على لسان رسول الله أنهم ليسوا مؤمنين، ما هي مشكلتهم كانت؟

هي هذه، لأن الله عز وجل قال من هم المؤمنون؟

إنما، حصر﴿إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ﴾ أنتم لم تؤمنوا بالله بالدرجة المطلوبة، وإلّا كيف نسميه مسلم وهولم يؤمن بالله؟

 لا، الإيمان أيضاً مراتب ﴿ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ثُمَّ لَمۡ يَرۡتَابُواْ﴾ أنتم ارتبتم، فيما يقوله الله عز وجل ورسوله ﴿وَجَٰهَدُواْ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ﴾ إذا أمركم رسول الله بالجهاد في سبيل الله، ما كنتم تلتزمون بما يأمركم به الرسول ﴿ء ُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلصَّٰدِقُونَ﴾.

إذان، ثمة إيمان بالله والرسول وطاعة تامّة لله وللرسول، تصديق كامل لله والرسول، مجاهدة، أي ترجمة عملية وانتماء صادق لهذا الدين بكل ما تقضيه الأمور.

﴿قُلۡ أَتُعَلِّمُونَ ٱللَّهَ بِدِينِكُمۡ ﴾ يقول الله سبحانه وتعالى أيضا يُبين لهؤلاء وأمثالهم وأشباههم.

 حذاري من أن تضعوا أنتم الأطر، ثم تنسبون ذلك إلى الله وأنكم حملة دين الله، الله سبحانه وتعالى أنزل هذا الدين ووضع القوانين والأدوات التي يُفسر بها الدين، لا أن يأتي الانسان من جيبه بأحكام من عندياته، ثم يقول هذا دين الله.

 ﴿قُلۡ أَتُعَلِّمُونَ ٱللَّهَ بِدِينِكُمۡ ﴾ بدينكم أي بتديّنكم، أما نحملها على التديّن أو على الدين، هم هكذا يتصدون لتفسير دين الله عز وجل﴿قُلۡ أَتُعَلِّمُونَ ٱللَّهَ بِدِينِكُمۡ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ﴾.

وأما مستويات الصلاح:

 أُورد بعض الآيات التي أشارت إلى مستويات الصلاح، حتى نفقه ما الذي يفعله هؤلاء المؤمنون في الزيارة [زيارة الإمام الحسين في الأربعين]؟

 هل هذه الزيارة مرتبة من مراتب الصلاح؟ مستوى من مستويات الصلاح؟

 أشير إلى أمور فيها بعض الآيات، ثم أعطف:

مثلا، هناك علوم ثلاثة ترتبط بمسألة الصلاح، في الحكمة، علوم الحكمة يسمّونه الحكمة العملية، تهذيب النفس وإدارة الأسرة -المنزل- وإدارة المدن. هذه هي الصلاح، يعني إذا أردنا مجتمعاً صالحا فلنوفر افرادا صالحين قد ربّوا أنفسهم وزكّوا أنفسهم من الداخل، أخلاقياً، ذهنيا، نفسيا، أعدوا أنفسهم إعدادا جيدا في مستوى الصلاح، كذلك عملوا على إدارة شؤونهم الصغيرة، الأسر الصغيرة، ثم انطلقوا إلى إدارة المجتمع الكبير.

 هذه هي المستويات التي كلّفانا الله عز وجل بها.

العلم الأول، في اللغة الشرعية نسمّيه علم السَير والسلوك، تهذيب الاخلاق تزكية النفس، جهاد النفس هذا علم.

 العلم الثاني، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أوالتربية الدينية، بشكل عام.

الدائرة الثالثة، الجهاد في سبيل الله.

 حينما يعتدي طرف خارجي على مجتمع المسلمين والمؤمنين، ما الذي يجب على المؤمنين أن يفعلوه؟ أن يدافعوا عن أنفسهم وعن حقهم، بالحق كما جاء.

 لاحظوا قول الله عز وجل، يقول الآية التي أشرنا اليها ﴿إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ ورسوله﴾ هذا مستوى من مستويات الإيمان.

مستوى آخر﴿لَّيۡسَ ٱلۡبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ قِبَلَ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلۡكِتَٰبِ وَٱلنَّبِيِّ‍ۧنَ وَءَاتَى ٱلۡمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ ذَوِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلۡمُوفُونَ بِعَهۡدِهِمۡ إِذَا عَٰهَدُواْۖ وَٱلصَّٰبِرِينَ فِي ٱلۡبَأۡسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَحِينَ ٱلۡبَأۡسِۗ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُتَّقُونَ﴾ هذا مستوى من مستويات الصلاح.

 هل يكفي الانسان أن يقف بين يدي الله عز وجل ويصلي باتجاه القبلة أن يقول الحمد لله، صرنا من المؤمنين، هذا يكفي؟

 لا، هذا بند من بنود الإيمان، مرتبة من مراتب الصلاح، لكن ثمة مراتب أخرى ومستوى آخر يجب أن تشفع به هذه الصلاة، لأن الله عز وجل يصف الصلاة ﴿إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِۗ﴾.

فإذن، مطلوبا منك أن تكون من المصلين المفعّلين لهذه الصلاة في مجال حياتك الأخرى،

أيضا، مورد آخر، يقولوا عز وجل ﴿لَيۡسَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ جُنَاحٞ فِيمَا طَعِمُوٓاْ إِذَا مَا ٱتَّقَواْ وَّءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ ثُمَّ ٱتَّقَواْ وَّءَامَنُواْ ثُمَّ ٱتَّقَواْ وَّأَحۡسَنُواْۚ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾.

هذا التكرار للإيمان والتقوى، يعني مرتبة فوق مرتبة، مستوى بعد مستوى، يجعلك ذلك من المحسنين الذين يحبهم الله عز وجل، وإذا أحبك صرت من أهل ولايته، فإذا تولاك الله عز وجل لا سبيل الشيطان عليك، صحيح أنه يُعلي صوته بالتشويش عليك، لكن الله عز وجل يحميك.

 أما أولئك الذين دفعوا بأنفسهم إلى عالم الشيطان، عندهم آذان، لكن لا يسمعون بها، عيون لكن لا يبصرون بها، قلوب لا يفقهون بها ﴿صُمُّۢ بُكۡمٌ عُمۡيٞ فَهُمۡ لَا يَرۡجِعُونَ﴾.

أما الطريق إلى الصلاح:

هذه الزيارة شكل أو طريق من الطرق إلى الصلاح.

يُروى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أنه كان مع جمع من أصحابه من الرموز الكبيرة المعروفة، واحد منهم يروي هذه الرواية أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وضع يده على علي، فقال أنت -ياعلي- أنت أول المؤمنين إيمانا وأول المسلمين إسلاما، إنما أنت مني أو أنت مني بمنزلة هارون من موسى.

 ايضا لاحظوا، مراتب، حينما يكون عليٌ أول المسلمين، وحينما يكون وعليٌ أول المؤمنين، ثم ارتقى لأن يكون من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمنزلة هارون من موسى، يعني أنه طوى كل مراتب الصلاح، كل مستويات الصلاح.

إذا كان كذلك، كيف يجب أن تكون علاقة الناس به، وفقا لما جاءت الشهادة من رسول الله في حقه (علي مع الحق والحق مع علي يدور معه حيث دار) (علي مع القران والقران مع علي) وهذا الحكم ليس خاصا بعلى عليه افضل الصلاة والسلام، لكن لما كان علي هو الإمام الأول بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والناس بحاجة إلى القران الذي يهدي للتي هي أقوم، ويحتاجون إلى  من يفسر القران ويؤله، بالخصوص عندما تشتبك وتختلط الأمور ويختلف تأويل الناس للقران الكريم، يحتاج لمن؟

 في زمن رسول الله إلى  رسول الله، وفي زمن علي إلى علي، وفي زمن الحسن إلى  الحسن، وفي زمن الحسين إلى  الحسين، وهكذا في بقية الأئمة الذين أشار اليهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، في قوله المعروف (لا يزال هذا الدين عزيزا ما بقى في الناس أئمة إثنا عشر) أو(الخلفاء إثناء عشر) هذا معنى.

 لاحظوا ماذا يرويه محب الدين الطبري، في كتابه (الرياض النظرة في مناقب العشرة) مما أخرجه الترمذي، في سننه ووصفه بأنه حسن غريب -غريب يعني حديث قلت رواته، لكنه موصوف بالحسن، ومعنى الحسن من الناحية العملية يفيد فائدة الصحيح.

عن عائشة سُئلت، أي الناس أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قالت فاطمة، فقيل من الرجال، قالت زوجها، إن كان ما علمتُ صواما قواما.

هذا الوصف حينما تنطق بي أم المؤمنين عائشة، مع ما حصل بينها وبين على، يعني قد يدفع مثلها إلى أن تكتم بعض هذه الفضائل، لكن فضائل علي تفرض نفسها، صلوات الله وسلامه عليه، على القريب والبعيد وعلى المؤالف والمخالف.

تفرض عليها أن تشهد لعلي عليه أفضل الصلاة والسلام أنه كان أحب الناس إلى رسول الله ثم عللتْ هي، أنه صوام قوام، يعني أن غيره لوكان صواما قواما، ليس بمرتبة علي عليه أفضل الصلاة والسلام، ذاك الصيام والقيام الذي جعله أحب الناس إلى  رسول الله صلى الله عليه واله وسلم.

 نرجع إلى القران الكريم، ماذا يقول القران الكريم؟

يعطينا طريقا واحدا لأن نكون من الصالحين ﴿ُقلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ﴾.

فإذن، الطريق إلى أن نصل إلى  الله أن نتعلق برسول الله، عاطفيا ومعنويا وعلميا، نحبُ ما أحب ونبغض ما أبغض، نختار ما اختار وندع ما ترك وهو صلوات الله وسلامه عليه، الذي أكد على أن لأهل البيت مكانة ومنزلة خاصة، تجعل من هذا المظهر الكبير والشريف والنبيل، الذي نجده في جموع المؤمنين، هذا هو شكل من أشكال التعبير عن الإتباع إلى الله عز وجل وللرسول، وتعبيرا عن محبة الله عز وجل ومحبة الرسول واتباعا لهم.

 جعلنا الله واياكم من يستمع القول فيتبع أحسنه.

 اللهم صل على محمد وال محمد اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة وليا وحافظا وقائدا وناصرا ودليلا وعينا، حتى تسكنه أرضك طوعا وتمتعه فيها طويلا.

 اللهم انصر الاسلام والمسلمين واخذل الكفار والمنافقين، اللهم اشف مرضانا وارحم موتانا وأغن فقرائنا وأصلح م فسد من أمر ديننا ودنيانا ولا تخرجنا من الدنيا حتى ترضى عنا يا كريم وصلى الله على محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.