موقع السيد حسن النمر الموسوي

حديث الجمعة

جديد الموقع

 

نصّ  الخطبة التي ألقاها سماحة العلّامة الحجة السيد حسن النمر الموسوي يوم الجمعة ١١ محرم ١٤٤٠هجري بعنوان «الصراع بين الحق والباطل-٢» في جامع الحمزة بن عبدالمطلب بسيهات.

 

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد بن عبدالله وعلى آله الطيبين الطاهرين

رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي.

عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله

لا نزال نعيش في ذكرى عاشوراء، حيث الجريمة المروعة والمصيبة الكبرى التي حلت بسيدنا ومولانا أبي عبدالله الحسين بن علي صلوات الله وسلامه عليه سبط رسول الله وحبيبه ومن معه من الشهداء والعترة الطيبة. هذه الذكرى التي تأدبنا بآداب أهل البيت عليهم أفضل الصلاة والسلام وقبل ذلك بأدب رسول الله أن نستذكرها من أجل العِبرة والعَبرة، فالمحيي الأول لهذه المصيبة قبل وقوعها، بشهادة الفريقين فيما يرويه أهل الحديث والسير والتاريخ، هو شخص رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، حيث أنبأ أمته أن الحسين ولده هذا ستقتله أمته، والروايات في ذلك كثيرة، يرويها ابن حنبل في مسنده وفي فضائل الصحابة بسند صحيح.

 فالشيعة إذن ليسوا مبتدعة في هذا الباب وليسوا مبتكرين في هذا الباب، وإنما هم يتأسون بمن جعله الله عز وجل أسوة لهم، وهو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، حيث يقول الله عز وجل في حقه {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} جعلنا الله وإياكم من المتأسين به فهو الأسوة الحسنة.

تحدثنا في الاسبوع الماضي أن ثمة صراعاً بين الحق والباطل وأن هذا الصراع هو خالد وأن ما حصل في كربلاء هو شكل من أشكال الصدام المسلح، حيث وقع ذروة الصراع والصدام يوم عاشوراء والذي فُرز فيه الحق والباطل وأهل الحق والباطل فصارا ضفتين، هذه ضفة يمثلها الحسين حيث الحق والمحقون، والضفة الأخرى قتلته، حيث الباطل ومن يمثلون. وعاشوراء كما ذكرنا، ليست حدثا تاريخيا يقف عند حدود الزمن، نعم هي في بعض وجوهها كذلك، حدث تاريخي حصل في يوم عاشوراء في سنة (٦١ هـ) من الهجرة، لكن حينما نعيش في سنة ١٤٤٠ للهجرة، شخص يعيب عليك أن تذكر الحسين ومصابه، ويعيب عليك أن تعمل بقول الله عز وجل كما جاء في الكتاب الكريم {وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} الله سبحانه وتعالى يأمر نبيه وكليمه موسى ويسوق ذلك في القرآن الكريم، حيث يُجعل خطابا لي ولك على لسان النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يُذكّر ويُذكَّر الناس بأيام الله، أيام الله ما هي؟

 الآية تفسرها {وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} أيام الله بنحويها، وإن جاءت في الروايات أن أيام الله أي افضل وأبلغ وأجلى أيام الله هي ايام ثلاثة، لكن الآية تعطي عنواناً عاماً، كل يوم حل فيه بلاءٌ على المؤمنين بسبب إيمانهم وصبروا فيه وظفروا بما وعدهم الله عز وجل عليه، فان ذلك يوم من أيام الله، ينبغي أن يُستذكر.

إذا كان بعض الناس يعيب علينا أن نستذكر الحسين ومصابه في يوم عاشوراء، فما لك تستذكر عاشوراء حيث أنجى الله موسى؟

 أوليس هذا ايضا حدث تاريخي، يستدعي منك أن تصوم ويستدعي منك أن تجعله يوم شُكر لله، ما الفرق إذن، إذا كان يوم عاشوراء هو من أيام الله، هو من أيام الله إنْ جعل الله عز وجل ذلك اليوم حدثا زمنياً أو زماناً أنجى اللهُ عز وجل فيه موسى وغير موسى من الأنبياء والصالحين، فليُضف الى ذلك بندٌ تاريخيٌ اسمه أن الحسين عليه أفضل الصلاة والسلام حصل له ما حصل من الجريمة الكبرى المروعة، والتي ما كان يليق بإنسان يحمل ذرة من الإنسانية أن يقع منه ما وقع، فضلا عن أن ينسب نفسه إلى الإسلام، وحاشا للإسلام أن يحتمل نسبة مثل هؤلاء إليه، فالإسلام أجلّ.

إنما بعث الله عز وجل نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم تحت عنوان الإسلام، من أجل أن يكون الناس ويتحلى الناس بالرحمة في قلوبهم {وَمَاأَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}.

شعار الإسلام هو السلام الله سبحانه وتعالى هكذا أدّبنا أن يحيي أحدُنا الآخر السلام عليكم ويرد عليه الطرف الآخر وعليكم السلام، خصوصاً في بيئة كانت لا تعرف إلا لغة الحرب، لغة التصادم، حتى أنهم كانوا يتمنون أن تحلّ الأشهر الحُرم، رجب وذو القعدة وذو الحجة ومحرم، حتى تهدأ فيه الحروب التي كانت فيما بينهم، أما دون ذلك فإن الجار اذا جاع شنَّ حرباً على جاره، هذه القبيلة في حق تلك القبيلة، السلب والنهب كان هو ثقافتهم الاقتصادية، ما كانوا يزرعون، كثيرٌ منهم ما كان يزرع ولا كان يصنع ولا كان ينتج، وإنما كان دأبه شنّ الحرب على هذا و شنّ الحرب على ذاك، فيسلب مال هذا ويسلب مال ذاك، هذه هي الثقافة الجاهلية التي قال الله عز وجل {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا}.

 بعث نبيَه الكريم صلى الله عليه وآله وسلم من أجل أن ينتشل الناس من هذه الوهدة، من هذا التخلّف الأخلاقي الحضاري الوجودي الانساني، فصنع منهم أمة رائدة، غير أن هذا النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بيّن للامة أن ما أصاب الأمم السابقة، مما ساقه الله عز وجل في القرآن الكريم من التنكر والانقلاب والانحرافات، ستُبتلى به هذه الأمة، بالخصوص ما كثّف الله عز وجل حكايته وروايته لنا وعلى مسامعنا في القرآن الكريم من قصص بني إسرائيل، هذه الأمة المتعجرفة عبر التاريخ، الأمة التي لا ترى ولا تجد ولا تعتقد لأحد إلّا ولا ذمة، يغتصبون الأراضي ويحتلون المناطق ويسلبون وينهبون حيث يعتقدون أنهم شعب الله المختار، يعتقدون أن الحق لهم ليس عليهم في الأميين سبيل، هذه الأمة المتعجرفة، التي كثّف الله عز وجل بعثة الانبياء لهم، لم يُجدي فيهم ذلك نفعا، النبي صلى الله عليه وآله وسلم حذّر هذه الأمة التي أكمل الله لها الدين وأتم عليها النعمة، حذرها أن تُبتلى بما ابتُلي به اولئك، فأنبأهم بأنهم، وإن حارب الأمة على التنزيل حتى يؤمنوا بهذا الكتاب الذي{لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ}وهذا الكتاب الذي {لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ} وهذا الكتاب الذي تكفل الله عز وجل بحفظه، هؤلاء الذين حاربهم رسول الله صلى الله عليه وآله على التنزيل أعلمهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أن الأمر لم يقف عند هذا الحد، صحيح أن كثيرا منهم سيدخل في دين الله أفواجا {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ(*)وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا}.

 لكن أي دخول هذا؟

 كان دخول الطلقاء، لم يكن دخول الصالحين، كثيرٌ منهم ما كان تدينهم تديناً صادقا ولا تديناً صافيا، فإن آية الانقلاب التي وقعت في أُحد كانت قبل هذا بفترة طويلة من الزمن {أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} هذا كان حينما كانت الأمة صادقة في تديُنها، فكيف الحال بعد أن امتلأت المدينة وكثُر في الأمة المنافقون والمتمردون على النفاق، هؤلاء الذين أنبأ رسولُ الله صلى الله عليه وآله الأمة أنه قاتلهم على التنزيل وبقيت محطة لا تقل خطورة ولا تقل أهمية وهي تأويل الإسلام، تأويل القرآن، ولذلك أشار إلى علي عليه السلام أنه سيحارب الأمةَ وسيقاتل على التأويل كما قاتل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على التنزيل.

 أي تأويل؟

هناك من أراد أن يقول أن التأويل الذي حارب من أجله أمير المؤمنين عليه أفضل الصلاة والسلام، كان تأويل الخوارج، وهذا حصر ليس في محله، أمير المؤمنين لم يكن عنده حربٌ واحدة، كان عنده عدة حروب متعددة، وكل الفرقاء الذين حاربوا أمير المؤمنين كلهم رفعوا شعار القرآن، من أول حرب الى آخر حرب، كل هؤلاء حاربوا علياً، وقد رفعوا الآيات والأذكار والأشعار الاسلامية،  لذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم للطفه بهذه الأمة ورأفته بهذه الأمة، بيّن للأمة من الذي سيأتي بعده فيكون صمام أمان لهذه الأمة حتى لا تنحرف، فأشار إلى علي وبيّن فضائله صلوات الله وسلامه عليه، وأشار إلى الزهراء وبيّن فضائلها وأشار الى الحسنين وبيّن فضائلهما، هذه الفضائل والمناقب التي يتفق المسلمون على رواياتها في حق هؤلاء صلوات الله وسلامه عليهم، هم الذين بيّن رسول الله لما وضع عليهم الكساء، قال (اللهم هؤلاء أهل بيتي) فأنزل الله عز وجل آية التطهير في حقهم.

 فإذن، ثمة شهادة من الله عز وجل أن لدينا نحن المسلمين، صمام أمان لن يفترق عن القرآن ولن يفترق القرآن عنهم، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم حذّر في بعض ما رُوي عنه من الحديث من أن تتقدم الأمة عليهم وأن هؤلاء أعلم من الأمة، وبالتالي ليس هناك من مسوغ أن يتقدم أحد عليهم، فقولهم يُقدّم على قول غيرهم، كائنا من كان في تفسير الإسلام.

وهذا معنى التزكية لحروب علي عليه أفضل الصلاة والسلام، التي أوّل فيها، لأن هناك فريقاً كان يقول أن تفسير الإسلام هذا، وكان علي عليه السلام له رأي آخر، إذا رجعنا الى رسول الله نجد أن رسول الله صلى الله عليه وآله بيّن أن تأويل علي مقدمٌ دائماً، لأن عليا مع الحق والحق مع علي، هذا الكلام بعينه هو ما جاء في حق الإمام الحسين عليه أفضل الصلاة والسلام، حينما قال صلوات الله وسلامه عليه فيما يرويه الفريقان(حسين مني وأنا من حسين أحب الله من أحب حسينا حسين سبط من الأسباط) الوقوف عند فقرات هذا الحديث الثلاثة تطول وتطول، لكن مُجمل هذا الحديث كما أشرنا إليه يوم أمس، يشير الى أن الإمام الحسين هو بعض رسول الله، كما كانت الزهراء عليها أفضل الصلاة والسلام بضعة من رسول الله، يرضيه ما يرضيها ويغضبه ما يغضبها، فبالتالي ما كان يجوز للأمة إلّا أن تُرضي الزهراء وما يجوز للأمة أبدا ان تسخط الزهراء، فإن سخطها سخطه ورضاها رضاه (رضا الله رضانا أهل البيت).

الإمام الحسين عليه أفضل الصلاة والسلام كان يمثل هذا العنوان في هذه الأمة، والأمة سابقا والأمة التي ستأتي فيما بعد، أحوج ما تكون إلى أن نعرف الخطأ من الصواب والحق من الباطل والخير من الشر حتى لا تختلط علينا الأمور.

ولذلك ورد في الحديث الشريف أن (أخوف ما أخاف عليكم منافق عليم اللسان) كثير من الناس يأتون ويأتون للناس ويرفعون شعارات قرآنية وشعارات من السنة النبوية، لكنك إذا غربلتها بعين المنطق، بعين المنطق النبوي الأصيل، تجد أنها في وادي، وأن هذا الكلام الذي يُسوق في وادي آخر، لأن هؤلاء يقفون عند المتشابهات ويتناسون المحكمات.

الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه، لو أردنا ان نطبق عنوان المحكمات والمتشابهات، لا يمكن لمسلم منصف أن يضع الحسين في دائرة المتشابهات، الحسين في دائرة المحكمات.

 يعني لا يمكن أن يقول أحد: يمكن أن يكون الحسين قد أخطأ في ما اختار، أما غيره ممن قتله فإنه هو الصواب، إلّا أن يكون في قلبه مرض، إلّا أن يكون فيه تشوّه.

 أما إذا رجعنا الى رسول الله صلى الله عليه وآله أن يقول، لا يمكن لرسول الله صلى الله عليه وآله أن يقول للإمام الحسين وهو في صغره، بعد لم يصل كما نقول بالنسبه لنا الى سنّ التكليف، بعد كان طفلا كما تسوق الرواية أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان خرج مع جماعة من أصحابه فوجد الحسين مع الأطفال، فصار يفر تارة هنا وتارة هنا، فاحتضنه النبي صلى الله عليه وآله وقال هذه الكلمة.

 إذا كان هذا صبي وإذا كان هذا طفل، ما الداعي لأن يعلن رسول الله له هذا الإعلان، هل لأنه أب؟

النبي صلى الله عليه وآله ما كان ينطق عن الهوى{إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ}وإلّا سيكون هناك محاباة من الرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لهذا الطفل دون هذا الطفل.

وهناك ملاحظ أخرى، وهي أن النبي صلى الله عليه وآله، ليس من باب تفضيل الحسين عنده على ولده الحسن، لكنه إنما قال، وهذا ما أشار إليه بعض الحديث ممن لا ينتسب إلى مدرسة أهل البيت، إنما قال هذا الكلام في حق الحسين حصرا، لعلمه بإنباء من الله سبحانه وتعالى لما سيحل ويقع على الإمام الحسين، فأراد أن ينبّه الأمة قبل سنين طويلة، يعني قبل أكثر من (٥٥) سنه، وهو يحضّر الأمة الى هذه اللحظة التاريخية التي نسمّيها بعاشوراء، فنحتفل بها من أجل أن لا نُبتلى بما ابتُلي به غيرنا، فتختلط علينا الامور، حتى نعرف أن المحق مَن، والمصيبَ من، المحق مَن، المبطل مَن، ليس لأننا نريد أن نعرف أن الحسين محقٌ وانتهى وأن المبطل مَن خاصمه وانتهى.

لا، المسألة لا تقف عند هذا الحد، هناك متواليات، هناك مترتبات، هناك لوازم على هذا.

إذا كان الحسين عليه أفضل الصلاة والسلام هو المقتول المحق، وغيره هو القاتل المُبطل، لا يمكن أن يصنف ضمن المشروعين، وضمن من يٌتلقى أمره بالتسليم، وإنما يجب متابعه ما فعله الإمام الحسين عليه أفضل الصلاة والسلام، حتى نسمي الاشياء بأسمائها، فنعرف أن الحق لم يكن يعمل به وأن الباطل لم يكن يُتناهى عنه.

لكننا نجد في يومنا هذا، نجد أن هناك من يُبالغ، لا نقول يعيب على الشيعة، وإنما يبالغ في تعيير الشيعة والمؤاخذة عليهم، والسبب هو أنهم يحيون أمراً تاريخيا، و كأن الشيعة من بين عقلاء العالم وحدهم هم الذين يحيون التاريخ..!

أجل بصرك، في اقصى الدنيا، يمينا ويسارا، أليس كل هذه الأمم تحيي التاريخ؟ لماذا لا يُعاب على أولئك؟

لا يعاب على أولئك، لكن إذا وصل الأمر الي ما نحتاج أن تُوضع فيه النقاط على الحروف، يقال أن هؤلاء مجانين وأن هؤلاء متخلفون وأن هؤلاء طائفيون وأن هؤلاء متعصبون، لأنه قد صنف نفسه في الضفة الأخرى.

نحن لنا كل الفخر أن  نصنّف أنفسنا في الصراع الخالد بين الحق والباطل مع الحسين، لأن الحسين يمثّل الحق، وليس في الضفة الأخرى، لأنها تمثل الباطل من دون شبهه، ونحن نحرص أشد الحرص على أن نتبّع المحكمات دون المتشابهات.

 لاحظوا ماذا يقول الله عز وجل حينما أنزل أبانا ادم وأمنا حواء، أمرهما بأن يهبطا الى الأرض، يقول سبحانه وتعالى كما جاء في سوره البقرة

{فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ ۖ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِين(*)فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيم(*)قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ}

فإذن أنزل الله عز وجل آدم من جنته، أياً كانت تلك الجنة، إلى هذه الأرض لا ليجعل هذه الأرض همّه الأول والأخير، وإنما هو {مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِين}.

فإن حياتك أيها الانسان مهما طالت على هذه الأرض، هي {مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِين} إنما خلقك الله للآخرة، من أجل أن تخلد في الآخرة، فان شئت أن تكون من الخالدين المرضيين عنهم فهناك طريق، وإن شئت وأردت طريقا آخرا، فالخلود هو الخلود، لهؤلاء وهؤلاء، غير أن الله عز وجل الذي أنزل آدم وبيّن له ولحواء ولنسلهم، أي أنا وأنت وكل من يسمع، أن الشيطان بكل ما يمثله، من أدوات ونزغات ودوافع وأفعال وغايات، لا ينبغي أن نقترب منها، ولا ينبغي أن نستجيب لها، لأنها لا تصب في مصلحتنا، لأن العدو لا يمكن أن ينصح عدوه، والشيطان عدو مبين لنا، بمنطق القرآن الكريم.

 فالله عز وجل أراد لآدم ولذرية آدم أن يتوبوا إليه ويؤبوا إليه، أي يرجعوا إليه، فآدم صلوات الله وسلامه عليه، وإن كان ما وقع فيه من الخطأ وسمّي بالمعصية، غير أن آدم الذي صنّف من الانبياء لا يمكن أن يفعل المعصية التي نعرفها، لكن مطلق المخالفة في منطق القرآن تسمى معصية، هل هذه المعصية تستوجب العقاب؟ هذا ما لا يفعله الأنبياء.

هل تستوجب العتاب؟ نعم، تستوجب العتاب.

هل أن الله عز وجل عصم الانبياء أن يقعوا في الخطأ والخطيئة الموجبين للعقوبة؟

بالتاكيد نعم، لكن هل فعل ذلك بالنسبة لنا؟ بالتاكيد لا.

غير أن الله عز وجل بيّن لنا ولهم، أن أي خطأ يقع فيه الإنسان، سواء كان ما يستوجب العقوبة أو لا يستوجب العقوبة، حتى لو وقف عند حدود العتاب، كل خطأ وكل خطيئة، ثمة تبعات مضرة لها.

هذا درسٌ، الله عز وجل بيّنه لنا، حتى نتبيّن أنه صراع قاس.

وهذا إذا أردنا نشبّهه أشبه ما يكون بالمعدات المعقدة، هناك معدات ليس من الخطورة أن يكون فيها شيء من الخلل، يعني هذه المعدة تحتمل أن يكون هذا الذراع وهذا الجزء فيه شيء من الخلل، لكن المعدات كلما كانت دقيقة لا تحتمل أقل نسبة من الخطأ، أقل نسبة من الخطأ تكفى أن تجعل الغاية التي صُنعت من أجلها هذه الآلة لا تجدي نفعا.

أنت أيها الإنسان، هذا ما رسمه الله عز وجل لنا، أرادنا لا أن نصل لا إلى الجنه فقط، وإنما أن نتنافس في الجنة.

فإذن، هناك دخول في الجنة، هذا يحتاج حد أدنى من الطاعة، وهناك تنافس في مراتب الجنة، يحتاج إلى نفوس مطمئنة راضية مرضية، هذا ما كان الإمام الحسين عليه أفضل الصلاة والسلام، يجهد فيه، حتى رُوي أنه كان يكثر، في مسيره الى كربلاء، من قراءة سورة الفجر التي جاء فيها {يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي الى ربك راضيه مرضيه فادخلي في عبادي وادخلي جنتي} هذا ما كان يطمح له الإمام الحسين.

فإذن، عشّاق الإمام الحسين يفترض أن ينخرطوا في هذا الاتجاه، اتجاه التنافس على العمل الصالح {وَأَن لَّيْسَ لِلإنسَانِ إلاَّ مَا سَعَى} {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ}.

 مطلوب منا أن نعمل، ومطلوب منا أن يكون عملنا صالحا{وَالْعَصْرِإِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْ (*)إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}

عمل الصالحات ليس في مرتبة واحدة، نحن نصلي الركعتين والثلاث والأربع، ورسول الله يصلي، لكن أين صلاتنا من صلاة رسول الله؟

 صلاة رسول الله ذلك الذي تكفّل الله عز وجل بتربيته، ذلك الذي أدّبه الله عز وجل، فأحسن تأديبه، ذلك الذي بلغ مقام قاب قوسين أو أدنى، هل يظن أحداً منا أن صلاته يمكن أن تساوي أو تقترب من صلاة رسول الله؟

 في الشكل يمكن أن تساوي ذلك، لكن في المضمون لا يمكن.

الذي ورد في الحديث أن الصلاة معراج كل تقي، رسول الله يعرج ومن كان قريبا من رسول الله يعرج، أما أمثالنا، فلعل قصارى طموحنا الواحد منا أن يتقبل الله صلاته، حتى يعتبر أنها قد أُديت على الوجه الصحيح، وهذا ما يتطلب سلسله طويلة وعريضة من العوامل، علينا أن نعمل على توفيرها وإلّا فسوق نخفق في عملية هذا الصراع.

أذكر سبعة عوامل باختصار شديد، وللحديث تتمة في سياق الخطب التالية، قد لا يكون تحت هذا العنوان:

 الشرط الاول – التزكية

 ليس مسموحا للذين يريدون أن ينجحوا في هذا الصراع أن يقّصروا في عمليه تزكية أنفسهم.

نحن كما نحرص على انتقاء الغذاء {فلينظر الانسان الى طعامه} الظاهري فلينظر الانسان إلى معلوماته، إلى مشاعره هذه التي يتلقاها، هل أن معلوماته معلومات صحيحه، مشاعره، مشاعر صحيحة؟

 لأنه كما ورد في الحديث الشريف(هل الدين إلّا الحب)هل لنا أن نحب من شاء ونبغض من شاء؟

الجواب: كلا.

ثمة أولياء لله هؤلاء الأولياء نميل إليهم بالمحبة، أما أعداء الله؟ لا ينبغي.

 نعم نقسط لهم، نعدل معهم، لكن الموالاة القلبية يجب أن تتفرع عن موالاتنا لله عز وجل لا تجد قوما يوادون من حاد الله.

كيف نفعل هذا في التزكية، في تزكيه النفس وتهذيبها؟

ماذا يقول الله عز وجل، يقول {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاها َ(*)وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاها}

فعل التزكية أمر مطلوب، لكنه سهل ممتنع، ويحتاج إلى مخطط طويل وعريض، ليس لنا أن نبتكر، هذا أيضا مفصّل في القرآن الكريم والسنة المطهرة، وهذا ما فعله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للناس.

 لكن الانسان عليه أن لا يطمئن، حتى إذا بلغ مقام التزكية، لأن الإنسان يمكن أن يتزكّى فينتكس، هذا ما حصل في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند أولئك الذين انقلبوا{أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ} هذا وقد كانوا في محضر رسول الله، يسمعون رسول الله، لكن هؤلاء الذين سمعوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ألم يقع بينهم الاقتتال...؟!

 حتى صار من عقيده فئة من المسلمين: أمسكوا عما شجر بين الصحابة...!

 لماذا تمسك عما شجر بين الصحابة، أليس فيهم محق ومبطل، أليس فيهم ظالم ومظلوم؟

 هو يقول نعم، هو يقول من حيث المبدأ، نعم، لكن أنا لا أستطيع أن أميّز، أنا أقول في القرآن الكريم ما يسهّل علينا تمييز المحقق من المبطل، لكن تمييع المفاهيم، هذا يترتب عليه خطورة لأننا سننتهي الى أن الحسين المقتول رضي الله عنه، وقاتله رضي الله عنه، وأنهما سيكونان أخوَين في الجنة، عجبا...!

كيف يكون القاتل والمقتول في الجنة؟

 مع أنكم تروون، المسلمان إذا استل أحدهم على الآخر سيفين فالقاتل والمقتول في النار.!

لكنهم لا يستطيعون أن يطبقوا هذا على الإمام الحسين، لأنهم يعرفون أن الحسين ليس من أهل الجنه فقط، وإنما هو (سيد شباب أهل الجنة) فيقعون في حرج في هذه النقطة، فالحل ما هو؟ أغلق الملف..!

إغلاق الملف لا يعفيك من أن هناك ظالما ومظلوما، فإذا عرّفك الله أن هذا محق، بالتالي لا نحتاج الى أن نعرف، إذا كان (س) و(ص) في المعادلة تنتهي بشكل واضح، يعني الحسين هو مقتول، فقاتلُه إذن مبطل، الحسينُ من أهل الجنة، قاتلُه إذن من أهل النار.

 لكن المسالة لن تقف عند هذا الحد، ثمة قتلةٌ كثيرون وخصومٌ كثيرون وأعداءٌ كثيرون، سبقوا ولحقوا، وهناك من لا يختار لنفسه سيرة الإمام الحسن عليه أفضل الصلاة والسلام.

العنصر الثاني الذي نحتاجه دائما، وهذا يحتاج منا الى جهد سأشير فيه إلى الشرط الذي يقصّر فيه كثير من الناس - مسألة التذكّر.

هل يكفي أن تعرف أن هناك حقاً وأن هناك باطلا، حتى لو علمته، أم لا، تحتاج الى أن نذكّر أنفسنا، والتذكر يحمل معنيين، المعنى الاول المعنى العلمي، حتى يعرّف، يعني حتى ننتقل من دائرة الجهل الى دائرة المعرفة، وأيضا عنصر آخر، الانتقال من دائرة النسيان الى الاستيعاب، الى الحضور.

وأمر ثالث، نحتاج إليه أيضا:

 النفس تتقلب، والقلب يتقلب، ميول الإنسان ليس بالضرورة تكون موافقة للحق، قد تكون موافقة للباطل، لأن الانسان إذا أحب الدنيا اختلت الموازين عنده.

عمر بن سعد لما قتل الإمام الحسين يروون عنه ذاك الشعر، يعني كان قتل الإمام الحسين من أجل ماذا؟

من أجل حكم الريّ حكم الري يعني طهران، من أول هو كان يحلم بأن يحكم في تلك المناطق، لكن الله سبحانه وتعالى خيب ظنّه، لم يأكل من بُرّ العراق، فضلا عن أن يحكم الريّ، حتى بُرّ العراق لم يتنعّم به طويلا، فانزل الله عز وجل به العقوبة المناسبة.

ماذا يقول عز وجل {سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى} من يخشى الله يتذكر، أما من لا يخشى الله، حتى لو أنبأته بالآيات وجئت له بكل مزدجر، فإنه لن يكف عن فعل الغي، قتلوا الإمام الحسين وهم يعرفون أنه الإمام الحسين.

الشرط الثالث – التنافس.

 كما أشرنا إليه، ليس فقط العمل، وإنما مطلوب منا أن نتنافس في فعل الخير الحق سبحانه وتعالى ماذا يقول، يقول {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} يحثنا سبحانه وتعالى على أن نكون من أهل الكرامة، أي من أهل المكانة عنده.

 ليس المقصود الكرامة أهل الكرم بمعنى الجود {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ} أي أعلاكم مكانة عند الله عز وجل، أتقاكم.

 فإذا كان فلان أتقى من فلان كان أقرب الى الله عز وجل من فلان الآخر. هذا يعني أن العاملين للصالحات ليس بمرتبه واحدة، هناك من هو عامل وهناك من هو أعمل، كما أن هناك من هو عالم وهناك من هو أعلم، كذلك في عالم العمل، هناك من يصلي كثيرا ويصوم كثيرا ويحج كثيرا ويعمل كل برّ كثيرا ويغتنم حياته كلها بأعمال الصالحة، ليس عنده وقت ليضيعه فيما يتحسر إذا وقف بين يدي الله عز وجل، حتى يقول {ربي ارجعون لعلي اعمل صالحا} هو حضّر الجواب لله عز وجل من هنا، حيث درس أكثر، تعلم أكثر، تفقّه أكثر وهكذا.

 العنوان الرابع، الشرط الرابع – العمل.

 اذا كنا ندعوا الناس للتنافس فمن باب أولى ندعوهم الى العمل، حيث يقول عز وجل {وقُلْ اعْمَلوا} ويقول عز وجل {وَأَن لَّيْسَ لِلإنسَانِ إلاَّ مَا سَعَى} {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ} أما من لا يعمل، لا يجد شيئا.

 العنوان الأخير، الشرط الآخر - الثبات والديمومة.

 هل ينبغي أن يكون عملنا موسمياً، نرتبط بالإمام الحسين موسميا، يعني في عاشوراء نرتبط لكن بقيه السنة لا نرتبط، نرتبط بالله في أيام رمضان ثم لا نرتبط؟

 هذا أيضا من المطبات، والشيطان إذا كنت نائما فالشيطان يقظ وأعوان الشيطان يقظون، وحروبهم الخشنة والناعمة، كانت وستظل، لن تقف عند حدّ، حتى إذا أتعبته اليوم، هو يخطط لليوم الثاني، وإذا أتعبته في اليوم التالي هو يخطط لليوم الثالث، ماذا يقول الله عنه، يعني الشيطان ماذا قال بين يدي الله{فَبِعِزَّتِكَ لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ}.

هو داخله في معركة شرسة، يبقى أن تقابله انت أيضا بالمعركة الشرسة، قال {لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ} ومن كل النواحي.

أنت كيف تعتصم؟ أن نعتصم بالله عز وجل ونستعيذ بالله أكثر، لا باللسان، وإنما نستعيذ بالله في عقولنا وفي قلوبنا وفي أعمالنا.

 يقولوا عز وجل {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ}المقصود بالعبادة هنا ليس خصوص الركوع والسجود، لأن الله عز وجل لم يكلفنا أن نركع إلى أن يأتينا اليقين، يعني الموت، لو فسرنا اليقين هنا بالموت، أو أن الانسان مطلوب منه أن يركع لله حتى إذا حصلت حالة اليقين في قلبه انتهى، لا، المطلوب منك أن تكون عبدا صالحا، من مبدأ حياتك إلى نهاية حياتك.

 هذا يعني الديمومة والاستمرار والمثابرة، مثل ما يفعل الاقتصاديون والرياضيون، لا يعملون النشاطات الرياضية والاقتصادية والتجارية في أوقات معينه، لأن حركه السوق وحركه النشاطات الرياضية، لا تسمح لهم.

 الأمر الآخر – الإخلاص.

 لا يكفي الانسان أن يعمل، ولا أن يتنافس، لأن الشيطان إذا لم يفسد عليك أصل العمل أفسد عليك كيفية العمل، فإن الله عز وجل يقول {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ}

يعني عملك هذا يجب أن يكون عملا نقيا، يا حتى لو كان ركعات قليلة، الله عز وجل لم يطالبنا بالكم الكبير من العمل، وإنما طالبن بالكيفية الجيدة

{لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} تريد أن تقوم بأدنى عمل، النبي صلى الله عليه وآله يوجه صاحبه أبي ذر (ليكن لك في كل عمل نيّة) حتى في أكلك، في شربك، في نومك، تستطيع أن تحوّل نومك هذا إلى عبادة، تتوضأ، تقترب الى الله سبحانه وتعالى أكثر، يسجل لك هذا كما جاء في الأخبار الشريفة، أن هذا عمل عبادي.

 تريد ان تزور فلانا، تقرّب الى الله، تريد أن تجلس مع فلان إنوي التقرب الى الله بإدخال السرور إليه، رفع الحزن عنه، لكن حذار من أن تقع في الغيبة والنميمة والإيذاء وازعاج الناس وازعاج المؤمنين، لا، حينئذ ستكون ممن خلط عملا صالحا وآخر سيئا.

 كم أننا لا نستطيع أن نتقرّب الى الله بالسب الباطل، لا يمكن أن يكون قربة الى الله، لأن هناك من يقول تكليفنا هذا..!

 كيف تكليفك يعني؟! تكليفك هتك الناس، تكليفك الغيبة، الشيطان هنا بعد، والشيطان له أفانينه، له أفانينه في إضلال الناس، الشيطان يضل اصحاب الحانات بالحانات ويضل أصحاب القرآن بالقرآن، ويضل أصحاب العلم بالعلم، فالذين قتلوا الإمام الحسين استندوا الى فتاوي شرعية، هناك فتوى شرعية صدرت من السلطة التي تولت قتل الإمام الحسين، وإلّا فإن الناس لا يتحركون، يعني هناك من وقف على المنبر، وهناك من أفتى، وهناك من حرّض، حتى تشجّع الناس وقتلوا الإمام الحسين، وأتصوّر أنهم كانوا يكبّرون حينما قاتلوا الإمام الحسين، أتصوّر أنهم كانوا يكبّرون لأنهم مسلمون، وقد وجدنا في عصرنا هذا نماذج، يأخذون الناس ويذبحون الناس في المساجد والحسينيات ويكبرون..!

 فإذن، المسألة ليست غريبة ولا عجيبة.

أيضا، هم أخذوا قتلاهم وصلّوا عليهم، لو أن الجماعة كان قد اختلط عليهم الأمر وصارت المسألة واضحة جدا جدا وكانوا كفرة ومشركين ما احتاجوا إلى أن يصلّوا، ولكنهم إنما صلّوا من أجل أنهم كانوا يعتقدون أنهم على الإسلام، ومن أجل أنهم كانوا يعتقدون أن هذا مما يرضي الله عز وجل، نتيجة الخلل في البنية الفكرية. في هذا الباب.

 الأمر الآخر والأخير.

 الشرط الاخر والأخير- مسألة التفقّه.

 حتى لا نستسلم إلى من يسوّق نفسه عالما يستطيع أن يتحدث باسم الله عز وجل، الله حق سبحانه وتعالى يقول{فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}أهل الذِكر من هم؟ فقط العلماء اللي يحفظون المصطلحات ويستطيع أن يلقي محاضرة جيدة؟

لا، القران يقول أهل الذِكر مثل أهل البيت، هذا البيت، البيت يعني هذا البيت الحجارة والمقصود بالبيت الكعبة، والمقصود البيت المعمور ولا المقصود بيت الإسلام، كل هذه المعاني ملحوظه، هؤلاء هم أهل البيت، أهل البيت يعني أصحابه وسدنته والعارفون.

كذلك الذِكر، الذِكر يعني نفترض فيه أنه من أهل الذكر من أهل الخشية الله عز وجل، مثل هذا يُسال، أما إذا كان عليم اللسان، قادر على أن يسوّق أفكاره بشكل جيد، ويستشهد عليها بالآيات والروايات، بل قد تعجب من بعض من يلقون الدروس والمحاضرات ويسوّقونها على الناس، من الكم الهائل الذي يحشدونها في المضامين التي يلقونها على الناس بالآيات والروايات، لكن كل هذا أساليب شيطانية.

يحفظون القرآن، نعم، لكنهم قتلة، يحفظون القرآن، نعم، لكنه مجرمون، يحفظون القرآن، نعم، عن لكنهم يبررون للقتلة والمجرمين، كما يفعلون الآن بالنسبه لمن قتل الإمام الحسين عليه أفضل الصلاة والسلام.

 لذلك مطلوبا أن نغربل، لا نختار أي أحد، نغربل يعني هذا الحد الأدنى الذي يملكه كل واحد منا، أستطيع أن أعرف وأميّز أن هذا من العلماء الاتقياء الذين نطمئن بأن ما يقوله يقرّبنا الى الله، أو لا يقربنا الى الله؟

هل عندما يدعوه إلى قول هذا الكلام هو أهوائه، أو ما يصدّقه القرآنُ والسنةُ المروية عن النبي وعن آله صلوات الله وسلامه عليه؟

 هذا يحتاج الى أن نبذل جهداً، وإلّا فإذا كانت ثقافتنا سطحية وبسيطة وساذجة، وهذا أمر مرفوض، كما جاء في الخبر الشريف(لوددت أن رؤوس اصحابي ضربت بالسياط حتى يتفقهوا في الدين)

 مطلوب أن نتفقّه، الإمام الحسين عليه السلام لم يبالي زن الذين بقوا معه واستشهدوا معه لم يتجاوز عددهم (٧٢) أو (١١٠) لم يكن هذا يضر الإمام الحسين، لأنه كان يراهن على أن هذا الفعل سيُنتج  وسيأتي بالملايين.

نسأل الله عز وجل أن نكون وإياكم ممن يَعي درس الإمام الحسين، بحيث لو أن الإمام الحسين كان حاضرا اليوم، لوَجَد بدل أنصاره القلة أولئك، الملايين من الأنصار، لأن هؤلاء الأنصار أدركوا الدروس والغايات والأهداف التي من أجلها الإمام الحسين ففرزوا نفسهم عن أصحاب الباطل وأصرّوا على أن يبقوا من أهل الحق.

 جعلنا الله وإياكم من يستمع القول فيتبع أحسنه.

 اللهم صل على محمد وال محمد، اللهم كن لوليك الحجة ابن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة وليا وحافظا وقائدا وناصرا ودليلا وعينا، حتى تسكنه أرضك طوعا وتمتعه فيها طويلا.

 اللهم انصر الإسلام والمسلمين واخذل الكفار والمنافقين اللهم اشفي مرضانا وارحم موتانا وأغن فقرائنا وأصلح ما فسد من أمر ديننا ودنيانا ولا تخرجنا من الدنيا حتى ترضى عنا يا كريم.

وصلى الله على محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين