موقع السيد حسن النمر الموسوي

حديث الجمعة

جديد الموقع

 

خطبة بعنوان «الاجنهاد مقابل النص» التي ألقاها سماحة الحجة العلّامة السيد حسن النمر الموسوي يوم الجمعة ١٥ شوال ١٤٣٩ هجري في جامع الحمزة بن عبدالمطلب لمدينة سيهات:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيد الخلق محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين.

رب اشرح لي صدري، ويسر لي أمري، واحلل عقدةً من لساني يفقهوا قولي.

عباد الله ! أوصيكم - ونفسي - بتقوى الله؛ فإنه عز وجل يقول {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات/13].

مدخل:

فطرة الإنسان تدفعه إلى أن يبحث لنفسه عما هو أفضل في جميع المجالات، والله عز وجل خالقنا، وخالق هذه الفِطَر فينا، هو الذي يحدثنا ويكلمنا بهذه الطريقة، وبهذا المنطق، حيث يعرف أن كلَّ واحدٍ منا يبحث عن الكرامة والمنزلة الجليلة، ولا تكون إلا عنده سبحانه وتعالى.

ويبين - أيضاً - أن هذه الكرامة لا تُنال اعتباطاً، ولا جزافاً، وإنما ضمن قانون صارم هو أن يكون الإنسان من أهل التقوى.

وفي هذه الآية يبين - أيضاً - أن التقوى ليست على مرتبة واحدة وإنما هي مراتب.

هذا قانون.

وثمة قانون آخر يوجد في القرآن الكريم - أيضاً -، يبين الله عز وجل فيه أن تفاضل الناس مبني على موازين.

ومن تلك الموازين هي أن يكون الإنسان من أهل العلم والمعرفة؛ حيث يقول عز وجل {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} [الزمر/9]، فالعلم - إذن - هو الأساس والركن الركين للتقوى، فمن أراد أن يكون من أهل التقوى لا يستغني - بنفس تلك النسبة - عن العلم؛ لأن الإنسان الذي لا يعلم يقع في هوة الجهل، يُبتلى بالوقوع في خلاف التقوى، أو يكون في معرض الوقوع في خلاف التقوى، بتلك النسبة! إلا أن يرشده الله عز وجل، وإرشاد الله عز وجل، وتعليمه، جاء وفق هذه القنوات، وهذه المسارات، هي أن تكون من أهل العلم.

وقال - في موضع ثالث – {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُوْنَ} [النحل/43].

فإذاً، مطلوب منا أن نكون من أهل التقوى، والمفروض أن كل واحد منا يسعى للتقوى، وهذا قانون يجري عليه الجميع لكن كل وفق المعلومات التي عنده، المؤمنون لأن لهم تصوراً عن الكون، استقَوه من الوحي الذي {لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ} [فصلت/42]، يعرفون أن للدنيا مقاماً، وللآخرة مقاماً، وأن عالم الشهادة له دور، وعالم الغيب له دور، وهكذا كل المفردات التي جاءت في النصوص الوحيانية، هي في الحقيقة تبين لنا هذه الخريطة، فكلما كان الإنسان بربه أعرف، كان منه أخشى وله أطوع.

فإذن، مطلوب منا أن نتقي، ومطلوب منا أن نكون من أهل العلم، إذا أردنا أن نكون من أهل التقوى، وتحصيل العلم يتوقف على الدخول في هذه المسارات.

***

ما أريد أن أتحدث عنه - بإيجاز شديد - هو :

(الاجتهاد في مقابل النص)

في ظل هذه القوانين، وما يرفد هذه القوانين، هل مسموح لنا أن نمارس فعل الاجتهاد في مقابل النص؟

لكي نجيب على هذا التساؤل لابد أن نعرف الاجتهاد ما هو ؟ والنص ما هو؟

1 - الاجتهاد - في اللغة العربية - يعني : بذل الوسع والجهد والطاقة.

والناس يمدحون المجدِّين؛ أي المجتهدين والمشتغلين بالعمل والحركة، ويذمون الكسالى الذين يركنون إلى الهدوء في الموضع الذي ينبغي فيه الحركة. يقال هذا كسول، وهذا نشط مجتهد مجد.

هذا المعنى ليس هو المقصود.

ثمة معنى آخر من الاجتهاد، والأدعية تقول "اللهم إني أعوذ بك من الكسل والفشل"([1])، مذمومٌ حالة الكسل في مقابل حالة الاجتهاد بهذا المعنى الأول مذموم، ينبغي علينا جميعاً، ومتاح لنا جميعاً، أن نكون من المجتهدين، فنقرأ في الأدعية اللهم "ارزقني اجتهاد المجتهدين"([2])، هذا هو المعنى، المقصود اجتهاد المجتهدين يعني أعذني - يا رب - وجنبني الكسل، لأن الإنسان بقدر ما يكسل يخسر من مقامات القرب إلى الله سبحانه وتعالى.

2 - المعنى الثاني للاجتهاد هو : أن يبذل الإنسانُ الوسعَ والجهدَ والطاقةَ في تحصيل المعلومة والمعرفة.

هل هذا المعنى مقصود؟

بالتأكيد مقصود، وبالتأكيد مطلوب.

لكن هناك معنى ثالث، هذا المعنى يلتقي مع هذا المعنى الثالث وجميعها تلتقي مع المعنى الأول.

3 - الذين يشتغلون بالاجتهاد العلمي هم مثل أصحاب المعنى الأول، يتحركون في مقابل الكسالى الذين لا يعلمون، لكن هل كل اجتهاد علميٍّ، وهل كل طلب للعلم مسموح به شرعاً أو ليس مسموحاً به شرعاً؟!

من حيث المبدأ، الإسلامُ يشجع تشجيعاً مطلقاً حركةَ العلم والمعرفة، ومنبوذٌ من الإنسان أن لا يتعلم، ولا يسعى في هذا الطريق، بل إن من أفضل العبادات عند الله عز وجل التفقه؛ التفقه في الدين بشكل خاص([3]).

لكن هناك معنى ثالث للاجتهاد هو مذموم ومرفوض بالمطلق!

لكن لكي نعرف هذا المعنى لابد أن نعرِّف النص.

النص ما هو؟

النص تارة يطلق به ويراد به (المتن)، فلان كتب نصاًّ أدبياًّ؛ أي نصاًّ شعرياًّ، نثرياًّ، يقولون فلان عنده نص أدبي، هذا ليس المقصود.

هل المقصود النص هو المتن الشرعي، يعني القرآن الكريم نص؟

نحن نقول جاء في نصوص الوحي، هذا هو المقصود، القرآن، ويضاف إلى ذلك السنة الواردة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وما ورد عن المعصومين عليهم أفضل الصلاة والسلام، نسميها (نصوص شرعية)، يعني متون شرعية.

لكن هناك معنى آخر للنص.

اللغة العربية، والكلام إذا تكلم به الناس، تارة لا يكون له إلا معنى واحد، وأحياناً يُحتمل أن يكون له معنيان، مثل الكنايات والمجازات وأمثال ذلك، النص هو أن تقول - تكون عطشاناً فتأتي للشخص وتقول - "اسقني ماء". هذا لا يحتمل معنيين، اسقني ماء يعني أريد أن أروي عطشي، أريد أن أرفع العطش، والذي يرفع العطشَ الماءُ. قد يضاف إلى ذلك السوائل الأخرى، لكن عندما يقول : اسقني ماء، يعني أنه يريد ماءً، حاراً بارداً هذا أمر آخر، لكن هو يريد الماءَ حصراً.

لكن حينما يكون الإنسان في مقام التعلم والأدب، أحياناً يقول (اسقني ماء) لا يريد أن تسقيه الماء، يعني يرفع العطش ! ليس عطشاناً للماء حتى تجلب له الماءَ، هو لأنه يريد أن يستزيد من العلم وأحد معاني العلم مجازاً، أحد إطلاقات الماء مجازاً أن يقال للعلم أنه الماء، فحينما يقول اسقني ماء يعني زدني مما آتاك الله عز وجل من العلم، لكن هذا يحتاج له قرينة، القرينة مقامية، مقالية، يفصل في ذلك العلماء.

فالنص أحياناً يراد به المعنى الذي لا يحتمل إلا معنى واحداً، مثل {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ} [التوحيد/1]، هذه لا تحتمل معنيين، ليس لها إلا معنى واحد، يعني أن الله عز وجل واحد في ذاته، وواحد لا شريك له.

لكن هناك بعض المعاني، أو بعض الإطلاقات، قد تطلق ويراد بها معنى، وقد تطلق ويراد بها معنى آخر.

مثلاً ، يقول الله عز وجل {يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْديهِم‏} [الفتح/10]، هذه يُحتمل - كاحتمال نظري - أن يكون المقصود يد الله، مثل هذه الجارحة فوق أيدي الناس، هذا احتمال في الذهن يرد، لكن هذا يكذبه الواقع لأن المسلمين لما وضعوا أيديهم في يد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم):

أولاً: لم يضعوا أيديهم دفعة واحدة على يد النبي في مقام البيعة، بيعة الرضوان، وإنما وضعوا أيديهم على التعاقب والتوالي.

ثانياً: لم ير الناسُ يداً غير أيدي الناس على يد النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

ثالثاً: الله سبحانه وتعالى {لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ} [الأنعام/103]، والحق سبحانه وتعالى ليس جسماً ولا جسمانياً، فاليد - بمعني الجارحة - منتفية عن الله عز وجل، فلابد أن نحملها على معنى آخر، لكن كلمة {يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْديهِم‏} تحتمل هذا المعنى وتحتمل هذا المعنى، ثم تأتي الأدلة لتنفي معنى وتثبت معنى يتناسب مع الله سبحانه وتعالى.

يقولون هذا نص، ظاهره كذا، {وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ} [هود/7]، هل المقصود كرسي على الماء، لأن الله عز وجل يتحدث عن الكون قبل أن تخلق الأرض والسماء، فهذا الماء الذي تتحدث عنه الآية هل هو هذا الماء الذي نعرفه، الذي لا يوجد إلا على الأرض؟! والذي يحتاج إلى مكان يستقر فيه؟!

لا، قطعاً ليس المقصود هذا الماء الذي نعرفه، هذا معنى آخر.

فالنص إذا كان الكلام لا يراد به إلا معنى واحد يقال نص، {أَقيمُوا الصَّلاةَ} [البقرة/43]، هل نحمل كلمة (الصلاة)، وكلمة (أقيموا)، على معنى غير هذا الذي نعرفه؟

نقول هذا نص من الشارع المقدس.

أو "صوموا لرؤيته"([4])، هذا نص، لكن كلمة "رؤيته" هل تحتمل يعني لابد أن يكون الصوم للرؤية، هذا هو الرأي ، النص النبوي المشهور، لكن هل تحتمل الرؤية تفسيرين: أن تكون بالعين المجردة، وأن تكون بالعين المسلحة؟ هذا فيه احتمال، لكن تعليق الصوم على الرؤية لا مجال فيه لمعنى آخر، إلا أن نحمل الرؤية على معنى آخر، هذا شأن المجتهدين.

فالكلام إذا كان لا يحتمل إلا معنى واحد يقال هذا نص، هل مسموح للعالم والمتفقه أن يُعمل جهده في مقابل ما جاء من النص عن الله عز وجل وعن الرسول؟!

الجواب: كلا، مدرسة أهل البيت ترفض هذا رفضاً مطلقاً.

فتسأل : ما الذي يفعله المجتهدون إذن؟

المجتهدون، الذين في ثقافتنا نسميهم المجتهدين، الفقهاء، إنما يُعملون أذهانهم في تفكيك النص، واستنطاق النص، وتفسير النص، وشرح النص.

شرح النص بأي معنى ؟

بأن النص إذا كان نصاً قطعياً في ثبوته، في ثبوت نسبته إلى الله وإلى الرسول لا يحتاج أن نرجع فيه إلى السند، كالقرآن الكريم، لا نقول حدثنا فلان، فلان، فلان، ننتهي إلى الرسول (صلى الله عليه وآله)، القرآن خرج عن هذه الدائرة، لا مجال للتشكيك في ثبوته، نحتاج في الروايات نقول حدثنا فلان عن فلان عن فلان؛ حتى نستوثق من أن هذا النص، أي هذا المتن نطق به رسول الله صلى الله عليه وآله.

المجتهد ماذا يفعل؟

يثبت النص أولاً، أي المتن، ثم يأتي للنص؛ أي المتن بالمعنى الأول، ما الذي يحتمله من المعنى. ولابد أن يعمل وفق للأدوات التي قد أسس مسبقاً حجيتَها من الناحية الشرعية، ليس أي طريقة من طرق الاستنباط وتفكيك النص مقبولة! ثمة قواعد، هذا ما دفع العلماء إلى ينشؤوا أصول الفقه.

أصول الفقه هي القواعد التي تعرِّف المجتهد، أو المتفقه، على كيفية التعامل مع النص، واستنطاق النص. طبعاً، بعد قواعد علم النحو، وقواعد علم الصرف، وقواعد علم البلاغة، وقواعد المنطق العامة.

هناك أيضاً مرحلة أخرى تسبق مرحلة التفقه.

إذا توفر العالم والمجتهد على هذه الأدوات أُتيح له القدرة أو توفر على القدرة لكي يستنطق النص ويفسره، لكن لا يعمل ذاتياته كما إذا كان جباناً مثلاً. ولذلك، قد يخل بعض الصفات إذا استحكمت في نفس الإنسان لا يوثق باجتهاد هذا المجتهد.

ولذلك نحن ماذا نشترط؟!

نشترط في المجتهد - الذي يجوز الرجوع إليه - أن يكون عادلاً.

والعدالة ماذا تعنى؟

أن يكون - من الناحية النفسية والأخلاقية - مستقراًّ، عادلاً يضع كل شيء في موضعه، فلو كان جباناً جداً، لا يستطيع أن يلتزم، أو يستنطق النص، بما يجعله يدفع الثمن من الناحية الاجتماعية، أو أنحائها، تختل قدراته النفسية والأخلاقية، فلا نطمئن بحسن استنباطه، وعلمية استنباطه.

ولو كان جشعاً جداً، من أهل الطمع والجشع، وممن يحب الدنيا؛ بحيث يكون لديه الاستعداد أن يميل إلى هذا الطرف على حساب هذا الطرف، أو إلى هذا الطرف على حساب هذا الطرف، حتى لو كان المتن الشرعي يريد موقفاً آخر!! يقول ماذا نفعل، الناس يريدون هذه الطريقة؟! لا يقول : الله يريد هذه الطريقة!! فلو تعارضت الإرادتان، إرادة الله وإرادة الناس؛ لأنه يحب الدنيا، قد يقدم رغبةَ الناس، أو رغبته، على إرادة الله عز وجل!!

مثل هذا لا يصح تقليده، ولذلك تأتي الرواية عندنا "من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً على هواه، مطيعاً لأمر مولاه، فللعوام أن يقلدوه"([5]).

سلسلة من الشروط حتى نطمأن بأن اجتهاد هذا المجتهد سار وفق ما ينبغي أن يسير فيه، لعل الله عز وجل يهديه إلى الصواب، وقد يخطئ الصواب؛ لأننا نقول أن المجتهدين معذورون في ما توصلوا إليه، لكن ليس بالضرورة يصيبون الواقع إلا في الضرورات الشرعية.

طبعاً، هذا بحث طويل، الاجتهادُ في مقابل النص.

فالاجتهاد المسموح به هو الاجتهاد الذي يسعى في إطار النص، يعني يأتي المجتهد ويقول أنا محكوم بما جاء في القرآن الكريم والسنة المطهرة، لا أخرج عن هذا الإطار؛ ولأن شريعتنا المقدسة قد غطت جميع جوانب الحياة بالأحكام الشرعية {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتي‏ وَرَضيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ ديناً} [المائدة/3]، يقول أنا لا أبحث عن الحق والصواب إلا في هذا القرآن والسنة، هذا المجموع يهدي للتي هي أقوم، خارج هذه الدائرة آخذه بمقدار ما يتوافق مع ما جاء في الكتاب الكريم والسنة المطهرة، هذا اجتهاد شرعي، هذا تفقه صحيح ومطلوب، مثل هذا المجتهد ليس على استعداد إذا أمره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأمر أن يخالفه؛ لأنه يعلم أنه إن خالف النبي صلى الله عليه وآله وسلم أبطل الغاية من البعثة؛ لأن الله عز وجل ما أرسل الأنبياء إلا من أجل أن يطيعهم الناس، {وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ} [النساء/64]، الله عز وجل أرسل الرسل من أجل أن يطاعوا، وإنما أرسل الرسل من أجل أن يبينوا الحق في مقابل الباطل، وإنما أرسل الرسلَ وبعث الأنبياءَ من أجل يحقق الناسُ مصالحهم في ظل هذا التشريع، فلو أن المجتهد اجتهد في مقابل النص، فوت هذه المنافع كلها، كل هذه الثلاث: أبطل الغاية من البعثة، فوت على نفسه المصالح الشرعية وكل هذه الفوائد التي ذكرناها.

كمثال على ذلك ما حصل في معركة أحد، الله سبحانه وتعالى سبق معركة بمعركة بدر، معركة بدر كانوا قلة، بتعبير القرآن كانوا أذلة([6])، عدةً وعتاداً، كانوا قلة، ومع ذلك نصرهم الله ببدر، لكن في معركة أحد، يُفترض الذين يدافعون موقعهم القتالي أفضل من الذين يهاجمون، بين بيوتهم، بين أهليهم، بين ذويهم ، المكان محصن، كل الأمور مهيأة، أعدادهم كانت كبيرة، لكن لأن الله عز وجل أمر رسوله أن يدير المعركة، والرسول (صلى الله عليه وآله) أمر المسلمين أن يلتزموا بسلسلة من الضوابط والأوامر، خالفوه في جزئية بسيطة!

أمر خمسين من الرماة - كما تذكر السير - بأن يقفوا على تلة مرتفعة، جبل صغير مرتفع، وأمرهم أن يمكثوا في محلهم لكنهم اجتهدوا في مقابل النص! نص النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن لا يتحركوا، مع أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: خسرنا أو ربحنا، مضمون كلامه، لا تشرَكوا معنا حتى في الغنائم، انتصر المسلمون في الجولة القتالية الأولى انتصاراً باهراً، وحققوا إنجازاً ضخماً جداً ومهماً، هؤلاء تسلل إليهم الشيطان فأرادوا أن يجتهدوا، قالوا نحن فهمنا ما الذي يريده رسول الله، رسول الله يريد منا أن ننتصر وها قد انتصرنا وفر المشركون، اجتهدوا في هذه الاجتهاد الذي ظاهره أنه اجتهاد في محله!

هل ممنوع علينا أن نفكر؟!

لا ليس ممنوعاً علينا أن نفكر، ممنوع علينا أن نخالف النبي، ونص النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان أن لا يتحرك هؤلاء الرماة في أي حالة من الأحوال، خالفوه فوقع في الجولة الثانية هزيمة منكرة بالمسلمين، مع أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان في أوساطهم، وكان ممن استشهد سبعين من المسلمين، سبعون بعد بطولات ملحمية على رأسهم سيد الشهداء الحمزة بن عبدالمطلب (صلوات الله وسلامه عليه)، الذي مُثِّل بجثته بما يحكي واقع الطرف الآخر، حتى لا يتبلى المسلون إذا عرفنا منكرات هؤلاء نتجنب هذه المنكرات، لكن للأسف الشديد تسلل إلى المسلمين، وهم كانوا من الصحابة، كانوا تحت تربية النبي (صلى الله عليه وآله)، هذا خطر دهم المسلمين سابقاً، ويمكن أن يدهم المتأخرين لاحقاً.

لذلك، نحتاج إلى أن نقف على مثل هذه المفردات، مثل هذه المحطات حتى نجنب أنفسنا ما ابتلي به أولئك.

نسأل الله عز وإياكم ممن يستمع القول فيتبع أحسنه.

اللهم صل على محمد وآل محمد.

اللهم كن لوليك الحجة ابن الحسن، صلواتك عليه وعلى آبائه، في هذه الساعة وفي كل ساعة، ولياًّ وحافظاً، وقائداً، وناصراً، ودليلاً، وعينا، حتى تسكنه أضك طوعاً، وتمتعه فيها طويلاً.

اللهم انصر الإسلام والمسلمين، واخذل الكفار والمنافقين.

اللهم اشف مرضانا، وارحم موتانا، وأغن فقراءنا، وأصلح ما فسد من أمر ديننا ودنيانا، ولا تخرجنا من الدنيا حتى ترضى عنا يا كريم.

 

 


([1]) مصباح المتهجد وسلاح المتعبد ‏2/597، دعاء السحر في شهر رمضان.

([2]) الإقبال بالأعمال الحسنة (ط - الحديثة) 3/210، فصل (23) في ما نذكره من الدعوات في أول يوم من رجب و في كل يوم منه.

([3]) روي عن رسول الله (ص) أنه قال "أفضل‏ العبادة الفقه‏، وأفضل الدين الورع‏" [وسائل الشيعة ‏20/358].

 

([4]) مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل ‏7/404، 3 - باب أن علامة شهر رمضان وغيره رؤية الهلال ...، الحديث(8532)، عن عوالي اللآلئ.

([5]) وسائل الشيعة 27/131، الحديث (33401).

([6]) آل عمران/123.