موقع السيد حسن النمر الموسوي

حديث الجمعة

جديد الموقع

 

نص الخطبة التي ألقها سماحة العلاّمة الحجة السيد حسن النمر الموسوي بعنوان « شهر رمضان وصناعة التقوى -٣» وذلك يوم الجمعة ٩ رمضان ١٤٣٩ هجري في جامع الحمزة بن عبدالمطلب بمدينة سيهات:

 

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

 بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الخلق أشرف الأنبياء والمرسلين محمد بن عبد الله وعلى آله الطيبين الطاهرين.

 رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي.

 عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله.

 نحن في الشهر الذي قُرن قرناً أكيدا بتقوى الله، والتي ذكرنا فيما مضى، أنها مطلوب كل طالب وأن جميع ثقافات الأمم تدعو إلى التقوى، لكن كل يعمل بشاكلته.

 فإن من الطبيعي والمنطقي أن المسلم الذي ينطلق من وحي نازل من عند الله عز وجل له تصور عن الكون والحياة والذات، يختلف عن الشخص الذي يولد هو تصوراته عن الكون وعن الواقع وعن الذات، فإن الله سبحانه وتعالى هو اللطيف الخبير والذي يعلم الشهادة والغيب، أما الإنسان، فمهما بالغ في تصور إمكاناته العلمية ستبقى تصوراته محدودة وقاصرة وبالتالي تتباين الاختيارات، تتباين التصرفات.

هناك مقتضيات لتحقيق التقوى، أي أسباب وظروف، إذا لم يتوفر عليها الإنسان لا يستطيع أن يطلب شيئا دون أن يوفر أسبابه، فقد جرت سنة الله عز وجل، كما ورد في الخبر الشريف أن تكون لكل شيء سبب، يعني لكل نتائج مرجوة لها أسباب، إذا توفرت هذه الأسباب وعمل عليها الإنسان تحققت له هذه النتيجة.

الحق سبحانه وتعالى مَنّ على الناس ان جعل في شهر رمضان خصوصية، خصوصية في ذات الشهر وخصوصية في نفوس الصائمين في شهر رمضان أو الذين من الله عز وجل عليهم أن يحتويهم شهر رمضان، يؤمنون بأنه شهر فضيل يؤمنون بأنه شهر مبارك يؤمنون بكرم الله عز وجل، وفيوضاته عليهم.

مثل هؤلاء، حصولهم واستحصالهم هم على ما يرجى من الله عز وجل أضعاف مما يرجوه وغيرهم ممن لا يحملون هذا المعتقد.

لكن، هل أدبنا الشرع الحنيف بما ينبغي أن نضعه في حسباننا في ما نطلب وفي ما نتخلى عنه؟

الجواب: نعم، في القرآن الكريم، أمور كثيرة، مثلا الله سبحانه وتعالى حينما يقول {كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون} يعني الغرض الذي من أجله، الغرض الأساسي الذي من أجله فرض الله عز وجل الصيام عليكم كما فرضه على الذين سبقوكم من الأمم الذين خاطبهم بدينه، إنما هو التقوى، أراد الله عز وجل من الجميع أن يكون الجميع من أهل التقوى التي تتفاوت مرتبتها، عمقها، أفقها، بين شخص وآخر.

هل جاء في الروايات ما يعزز هذا المضمون؟

نعم، هناك دعاء يروي في الكتب عن أهل البيت عليهم أفضل الصلاة والسلام، يعني كتب العلماء السابقين،أنه مما يستحب أن يُستقبل به شهر رمضان، سأقف عند فقرات قليلة منه، حتى نتعرف ما هي المخاطر أو الأمور التي تتنافى مع التقوى، وتحول بين الإنسان وبين أن يصل إلى الكمال، وما ينبغي أن يكون منشودا لنا في رفعها وتحقيق أسبابها:

في هذا الدعاء (اللهم ما كان في قلبي….) هذا في آخر ليلة من شعبان يُستحب قراءة هذا الدعاء (اللهم ما كان في قلبي من شك أو ريبة أو جحودا أو قنوط أو فرح أو مرح أو بذخ أو بطر أو فخر أو خيلاء أو رياء أو سمعة أو شقاق أو نفاق أو كبر أو فسوق أو عصيان أو عظيمة، أو شيء لا تحب، فأسألك يا رب ان تبدلني مكانه إيمانا بوعدك ووفاء بعهد ك ورضا بقضاء وزهد في الدنيا ورغبة فيما عندك وأثرة وطمأنينة وتوبة نصوحا، اسألك ذلك يا رب بمنك و رحمتك يا أرحم الراحمين).

لاحظوا هنا منطقان:

 المنطق الأول- المنطق الذي إذا تلبس به الإنسان، واستولى على الإنسان سيجعله في حالة من الاضطراب في حالة من الحيرة في حالة من الأخلاد إلى الأرض، يحب الدنيا وزخارفها وزبرجها، لا يعنيه أن يصل إلى الله، لا يعنيه الصدق، لا يعنيه الحق، لا يعنيه الخير، لا يعنيه الفضيلة، لا يعنيه الجمال الحقيقي والكمال الحقيقي، كل ما يعنيه هو ما ينظر إليه بأبصاره ولمحاته السريعة، ما يسمعه عن قرب، دون أن يخطط إلى الأبعد مدى، في حين أن الله عز وجل أدبنا، أن ما تراه ليس هو الدنيا فقط، الدنيا هي ما تراه وما لا تراه، وما تسمعه وما لا تسمعه، ما تحسة وما لا تحسه.

فإذن، أنت إذا أردت أن تكون مؤمنا وسّع من أفقك، ما هي أهم صفات المؤمن؟ {يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ}.

الله سبحانه وتعالى جعل من هذا الكون، ومن هذه الدنيا، ومن هذا العالم أفقا واسعا جدا، فلو أن الإنسان كان قاصرا في نظرته سيكون مقصّرا في عمله، مهما أراد من الخير، لن يستطيع أن يحقق الخير، لأن الخير الحقيقي لم يضعه هو في حسبانه، لأنه لم يره، لم يعتقد به، لم يسمعه، لم يتفاعل معه، هذا ما فيه.

ما هي مظاهر هذا القصور في النظرة؟

(اللهم ما كان في قلبي…) والمقصود بالقلب هنا الوجدان والعقل (…من شك).

الإنسان إذا افتقد حالات العلم سيفتقد اليقين، وإذا افتقد اليقين سيكون محكوما بالشك، ليس عنده اطمئنان، ستجده مثلا متقلب الآراء، متقلب الاعتقادات، متقلب الميول، في العام الماضي كان يفكر بطريقة، في هذه السنة كان يفكر بطريقة، في السنوات الماضية كان يفكر بطريقة مختلفة، تجده يؤمن بشيء يعتقد أنه الحق، لأن فلانا من الناس قال إنه حق، ليس لأن هذا هو الحق النازل من عند الله والحق الحقيقي، لكن شؤون القوة، شؤون البهرجة توفرت عند الجهة الفلانية، مال إليهم، تبدلت الأمور، صارت عند جهة أخرى، تبدلت قناعاته، ما كان حقا سابقا صار باطلا، وما كان باطلا صار حقا، في حين أن المؤمن نفسه مطمئنة، ارتبط بالله عز وجل، بمصدر القوة، بمصدر الحق، بمصدر الخير {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً} كيف يرضى الإنسان؟

 يرضي، يعني يتحقق له ما كان يرجوه، كيف يكون مرضيا؟ مرضيا عند من يُنشد رضاه، وهو الله سبحانه وتعالى، يعني لو أنك خيرت بين طرفين، طرف قوي وطرف ضعيف، طرف غنى وطرف فقير، طرف يملك الإمكاناتو طرف لا يملك، تبحث عن رضا أي منهما؟

لا تلجأ إلى الضعيف، لا تلجأ إلى القاصر، لا تلجأ إلى القبيح، لا تلجأ إلى هؤلاء القاصرين المقصرين، وإنما تبحث عن القوي، عن الغني، من هو الغني ؟ جاء القرآن الكريم ليبين لنا {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} لذلك صدر الكتاب الكريم بقوله بعد البسملة {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين}.

الحمد الحقيقي والشكر الحقيقي لصاحب الكمال والجمال الحقيقي وهو الله، هو الذي أعطاك، هو الذي وهبك، هو الذي يملك أن يعطيك كل ما ترجوه من الخير، لذلك كيف يجب أن تكون حياتك؟ أن تزول كل الشكوك، وترتبط به ارتباطا يقينيا.

 الشك كيف يحصل؟

التقصيرات، الذنوب، الخطايا، المعاصي، الابتعاد عن الله عز وجل، بمقدار ما يتحقق هذا الشؤم عند الإنسان، يكون في حالة من الشك، في حالة من الريبة، في حالة من الجهود، ولا تستغربن، أن تقول يعني هل يتصور أن الإنسان يكون الحق متجسدا بين يديه، ثم يرتاب ويشك؟

نعم، الله سبحانه وتعالى يقول {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. الم (*) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ} كم هم الذين يرتابون في القرآن الكريم سابقا ولاحقا؟ كثيرون {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} {قَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} الله سبحانه وتعالى يشهد بأن القرآن {لَا رَيْبَ فِيهِ} بأن القرآن لا باطل فيه، بأن القرآن لا اختلاف فيه، لكن الذين في قلوبهم زيغ والذين في قلوبهم مرض تجدهم يبحثون عن شبهة هنا وشبهة هناك، لا يظن، بل لا يعتقد ان القصور في نظره، لا يقول بتواضع مادام هذا الخطاب من عند الله عز وجل، وما دام الناطق بهذا الكتاب بسم الله هو محمد صلى الله عليه وآله وسلم، أكمل البشر، أعقل البشر أذكى البشر، وما دام أن الله عز وجل يصف القرآن بأنه لا ريب فيه، ولا باطل فيه، لا ينبغي أن يرتاب الإنسان في أن هذه الآية تنافي تلك الآية، ينبغي أن يعيد النظر، المرة و المرتين والثلاث والأربع، حتى يصبح من أهل العلم، إذا لم يتمكن {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} لكن هذا الإنسان لأنه قاصر ومقصّر تجد أن الشك والريبة يستحكمان في نفسه، وينتهي به إلى الجحود{ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَىٰ أَن كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّه}.

 هذه هي المخطط والخارطة التي يرسمها الله عز وجل لنا في الكتاب الكريم، إذا لم يخلص نفسه مما ينافي التقوى، ولذلك فإن في هذا الشهر الكريم، أو هذا الشهر الكريم يمثل فرصة استثنائية، لمن؟

 للأذكياء، الآن تحصل بعض المحاضرات بعض الكتب للأذكياء فقط، نحن جميعا يجب أن نكون من الأذكياء، لكن أن ننصت للذي يهب الذكاء، وللذي يهب الفطنة للناس، لا أن نتصور تصورا موهوما أن هذا هو الذكاء، وأن هذا هو الغباء، لا، الحق من عند الله عز وجل {قُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ}.

الحق إنما يطلب من الله، الحق في القول، الحق في الفعل، الحق في التوجيه، الحق في الأحكام، لكن لو أنك أجلت ناظريك يمينا ويسارا، ستجد أن الحيرة تعصف بكثير من الناس، كما أن الله عز وجل لم ينزل لهم كتابا يهديهم {لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} يبحثون هنا، ويبحثون هنا، وكما لو أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يبيّن، كما لو أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يبيّن للناس أن الحق مرتبط بأفراد معينين، شهد الله عز وجل لهم بالطهارة، وبالتالي إذا ارتبطنا بالله وبرسوله و بأوليائه، فإننا نضمن لأنفسنا مستقبلا زاهرا، هو ما نسميه بالتقوى، حتى تكون لنا العاقبة الحسنة {وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ} {وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} أي عاقبة؟ يعني غير المتقن لا عاقبة لهم؟! لا، لهم عاقبة،  لكن العاقبة المنشودة، العاقبة الإيجابية، العاقبة الحسنة هي للتقوى ولأهل التقوى، أما غير أهل التقوى ومن لا تقوى عنده، فإن العاقبة ستكون عليه وخيمة جدا.

نسأل الله عز وجل أن نكون وإياكم ممن يستمع القول فيتبعون أحسنه.

اللهم صل على محمد وآل محمد اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلوات عليه وعلى آبائه، في هذه الساعة، وفي كل ساعة وليا وحافظا وقائدا وناصر ودليلا وعينا حتى تسكنه ارضك طوعا وتمتعه فيها طويلا.

اللهم انصر الإسلام والمسلمين، واخذل الكفار والمنافقين، اللهم أشف مرضانا وارحم موتانا، وأغن فقرائنا وأصلح ما فسد من أمر ديننا ودنيانا ولا تخرجنا من الدنيا حتى ترضى عنا يا كريم، وصلى الله على محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين