موقع السيد حسن النمر الموسوي

الأخبار

جديد الموقع

نصّ الخطبة التي ألقاها سماحة العلاّمة السيد حسن النمر يوم الجمعة الموافق2 مارس2012م في جامع الحمزة بن عبدالمطلب تحت عنوان " آداب الصلاة 2":

 

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين

رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي

التقوى لكي نصنعها في واقعنا كأفراد وجماعات تحتاج إلى تهيئة بيئة وتوفير روافع ورفع موانع ، ومن أهم تلك البيئات التي تعيننا على رفع الموانع وهي في الوقت نفسه رافع وتهيئ لنا العديد من الروافع (الصلاة) التي جعلها الله عمود الدين .

كما روي عن رسول الله أن الصلاة عمود الدين ، والله تعالى يشير في القرآن إلى فلسفة الصلاة والغاية من تشريعها في قوله ( أقم الصلاة لذكري ) فالغرض من الصلاة ليس أن نقوم بطقس اجتماعي ، وإنما فعل عبادي يراد به استحضار الله سبحانه و تعالى في حياتنا ، لكي تكون أقوالنا أقوال وأفعالنا وميولنا كالربانيين في جميع تفاصيل حياتنا ، وهذا لايحصل من دون أن نصنع له بيئة مناسبة .

النبي الأعظم الذي أرسله الله رحمة للعالمين ، تجلّت الرحمة في فعل رسول الله وذاته ، منها أنه بعد أن هاجر إلى المدينة المنورة قام بثلاثة إجراءات رئيسية لصنع مجتمع جديد لأنه أراد أن يُحدث انقلاباً اجتماعياً يبني فيه واقعاً مختلفاً عن الواقع الذي سجل عليه ملاحظات شكليه ومضمونيه ، مع أن هذا المجتمع الذي سجل عليه الرسول - بأمر من الله- تلك الملاحظات كان يحتضن الكعبة ويتشرف بخدمة الله الكعبة ، لكن تحولت تلك الخدمة إلى طقس شكلي أجوف ، لا يمنعهم ولاينهاهم عن الفحشاء والمنكر ، حتى أن المظلوم يظلم بحضرتهم فلا يدافع عنه أحد , والنبي عليه الصلاة والسلام ذكر مراراً حلف الفضول الذي كان في الجاهلية وقد اشترك فيه ، يقول لو دعيت إلى مثله لأجبت . فالنبي عندما انتقل إلى المدينة أراد أن يبني مجتمعاً جديداً في تفكيره ومنطقه وقيمه ، مثل هذا المجتمع لو نشأ كما حققه رسول الله ستكون انطلاقته انطلاقة سريعة جداً في إقناع الآخرين بالإيمان بالقواعد التي بنت هذا المجتمع . لذلك توسع وانتشر الإسلام انتشاراً حتى أن الله عز و جل يمنّ على رسوله بقوله (إنا فتحنا لك فتحاً مبينا) أحد أسباب الفتح جهد الرسول في صناعة هذا المجتمع . والإجراءات كانت تعمل على ثلاث مسارات:

  1. تشييد المسجد النبوي الشريف في المدينة المنورة

  2. المؤاخاة بين الأنصار والمهاجرين

  3. وثيقة المدينة المنورة والتي كانت أشبه بالدستور الناظم لحركة ذلك المجتمع وتنظيم علاقة أطرافه بعضها ببعض .

لأن المدينة حينما قدم إليها رسول الله لم يكن فيها المسلمون فقط ، بل كان فيها آخرون ومنهم اليهود الذين كانوا يستبطنون عداءً واضحاً للأمة ، ولكن بما أنهم في نفس المدينة فإن لهم حقوقاً مكفولة . فالإسلام يدعو للعدالة وإذا ضمنّا العدالة فسينال كل فرد حقه ، فالنبي نظر في حقوق اليهود كما نظر في حقوق المسلمين ودوّن ذلك في وثيقة عرفت باسم وثيقة المدينة المنورة وفيها 49 بند من البنود الدستورية . تعهد النبي صلى الله عليه وآله والتزم من جهة المسلمين أن حقوق اليهود مكفولة لأن دين الإسلام يدعو إلى العدل والإحسان ، وهذا إجراء أساسي ، لأنك إذا لم تعرف ما الذي لك وما الذي عليك فمن السهل أن ينتشر الفساد ، وإذا عم الفساد صعب الحل ، لأنك بالكاد تستطيع أن تسمي السبب الحقيقي للفساد السياسي أو الاقتصادي أو الإداري أو الاجتماعي ، فتعيش الأمة حالة من التخبط ، لذلك نحتاج أن نبني المجتمع بناءً حقيقياً على أساس الرغبة الصادقة والنية الحسنة في إصلاح ما هو فاسد ، وليس هناك مجتمع يخلو من شكل من أشكال الفساد ، ولا يستطيع أحد أن يصلح إلا أن يشترك فيه عموم الناس .

فهذا جانب أن تدوَّن حقوق الناس وواجباتهم بحيث يعرف بالضبط ويعلن هذا ، ليصح القول بأن القانون لا يحمي المغفلين ، إذا غاب القانون وغاب الدستور وغابت الحقوق التي يعرفها الناس ، فُتح باب الأمزجة وهذا سيزيد الأمور سوءاً ، وهذا الإجراء يصب في مصلحة تنظيم علاقات الناس ببعضهم (إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى) (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع) لذلك نحتاج إلى التنظيم والتقنين من هذا الجانب ، فالناس لاتستغني عن النظام والسلطة التي هي مستأمنة على هذا النظام وليس دورها دور التقنين ، بل لها إدارة القانون الذي تضعه الأمة .

الإجراء الثاني، كان يرتبط في تنظيم العلاقة بالله عز و جل وهو الصلاة وإنشاء المسجد كمحطة روحية تربوية لا يستغني عنها الناس في تنظيم علاقتهم بخالقهم

الإجراء الثالث، هو بناء العلاقات . نظام المؤاخاة الذي أجراه رسول الله كان يريد أن يكرس ذاك المفهوم المشار إليه في القرآن (إنما المؤمنون إخوة)

هذه الإجراءات الثلاثة ، كانت الأمة بأمسّ الحاجة إليها من اجل أن نجعل المجتمع يسير في حالة انضباط على صراط مستقيم ، ولكن هذا لا يعني أن تلك الإجراءات التي اتخذها الرسول كانت قاطعة في تأثيرها إلى آخر الخط ، بل تحتاج إلى مراقبة واستمرار وثبات عليها . فقد حدثت انتكاسات ، مثل ما حدث في أحد عندما لم يلتزم الرماة بأوامر رسول الله لهم . ومثل ماحصل لسيدتنا الزهراء عليها السلام التي هي بضعة من النبي ، كثيرة هي الأشياء التي كانت بين الزهراء وأبيها ، منها حقها في فدك ، والذي طالبت به وسلب منها ، ثم قيل لها أن الأنبياء لا يورّثون , لذلك كان سخط فاطمة مبرراً ، ثم تعمدت أن توصي علياً بدفنها ليلاً حتى يبقى حدث رحلتها حدثاً مراً في وعي الأمة حتى لا ينسى التاريخ ولا المستقبل مالذي أصاب فاطمة عليها السلام ، ليرجع المسلمون إلى وعيهم ولا يزيَّف هذا الواقع .

حينما نرغب في معالجة أي حالة يجب أن نفرق بين حالتين ، هل نبتكر علاجاً على وفق الأصول أو للطوارئ . الشهيد الصدر رحمة الله عليه حينما طُلب منه أن يعطي نظرية الإسلام في البنك - البنك فكرة غربية نشأت في وضع يقوم على أساس الربا – فكتب كتبا باسم (( البنك اللاربوي في الإسلام )) والسيد أشار في هذا الكتاب بأن هذا الحل هو حل في ظل الوضع القائم، فالحلول تتفاوت بين أن يكون حل أصلي أو حل اضطراري او حل استثنائي .

 

 

وصلى الله على محمد وآل محمد